الأيكونومس أيوب الفاخوري

الأيكونومس أيوب الفاخوري

ولد الأيكونومس أيوب الفاخوري، في مدينة السلط عام 1866 كما يذكر ذلك الدكتور هاني العمد، الذي يورد أيضاً رواية أخرى، تفيد إلى احتمالية أن تكون ولادته قبل ذلك في عام 1857، وكانت المنطقة في النصف الثاني من التاسع عشر، ترزح تحت ثقل عقود من الإهمال والتهميش، وهو ما انعكس على البلاد والأهالي، وعلى أحوالهم الاقتصادية والتعليمية، وكان والده الشيخ شوباش الفاخوري، شيخ عشيرة الفاخوري، ومن أبرز شيوخ عشائر السلط العريقة، حيث تذكر المصادر التاريخية، أن عشيرة الفاخوري قدمت من لبنان قبل (350) عاماً، وأقاموا في السلط وأصبحوا من عشائرها المعروفة.

الناظر عميقاً في تاريخ الأردن قديماً وحديثاً، يلحظ بما لا مجال للشك فيه، أن هذه الأرض بأهلها وحضارتها المتواصلة، كانت على الدوام مثالاً مشرقاً للتسامح والتقبل، مما جعلها موطناً آمناً لمختلف الطوائف والأعراق، في نسيج اجتماعي فريد في وحدته وانسجامه، كان دائماً موضع قوته ومصدر بقائه وتمتعه بميزات خاصة أبقته في متناول المستقبل الناجح.

 ترسخت هذه السمات بشكل واضح، مع وصول الإسلام لبلاد الشام، التي كانت وحدة سياسية واجتماعية واحدة، وبالتالي كانت هذه البلاد شرق المتوسط، بفضل حضارتها العميقة، مكاناً للتواصل الإنساني بين الإمبراطوريات العظيمة والمتناقضة فكراً وبنية اجتماعية، وعلى صلة بالجزيرة العربية وثقافتها الغنية، كما أفادت المنطقة من وقوعها على طريق التجارة العالمية، الممتدة بين الصين وبين أوروبا مروراً بالأردن، وبعدد من مدن وموانئ بلاد الشام، ولا شك أن هذا التمازج الكبير، الذي راكمت عليه إفرازات طريق الحج الشامي، والهجرات التاريخية الحادثة بين مرحلة وأخرى، أدت جميعها لتهيئة الأردن ليكون أنموذجاً فريداً، بالوحدة الوطنية والتسامح الدين الحقيقي.

لم تكن العشائر المسيحية الأردنية على مر التاريخ، تتحرك كأقلية دينية، بل كانت شريكاً حقيقياً في السلم والحرب والتنمية، حيث كانت ولا زالت فاعلة في الحضارة والثقافة الإسلامية، ولم تتراجع عن دورها المؤثر رغم تقلب المراحل، وما تعرضت له المنطقة من احتلالات واستعمار، ومحاولات خارجية وداخلية لزعزعة أركان هذا التآلف الصلب، فبالإضافة للدور الوطني المشهود، الذي اضطلع به أبناء العشائر المسيحية، فقد تميزوا بدورهم العروبي القومي، فقد كان عدد من المثقفين المسيحيين، من أبرز قادة الفكر القومي المعاصر، ومن أفضل منظري هذا الفكر ونشره، والذي كان له دور في تحرير البلاد العربية، وسعيها المستمر للاستقلال والبحث عن سبل الحياة الأفضل، في السياق ذاته برزت شخصية الخوري أيوب الفاخوري، الذي لعب دوراً محورياً على المستويين الوطني والقومي، في فترة بالغة التعقيد والحساسية، وهي الفترة التي نتج عنها تأسيس الدولة الأردنية، ومقاومتها لمؤامرات داخلية وخارجية عديدة.

ولد الأيكونومس أيوب الفاخوري، في مدينة السلط عام 1866 كما يذكر ذلك الدكتور هاني العمد، الذي يورد أيضاً رواية أخرى، تفيد إلى احتمالية أن تكون ولادته قبل ذلك في عام 1857، وكانت المنطقة في النصف الثاني من التاسع عشر، ترزح تحت ثقل عقود من الإهمال والتهميش، وهو ما انعكس على البلاد والأهالي، وعلى أحوالهم الاقتصادية والتعليمية، وكان والده الشيخ شوباش الفاخوري، شيخ عشيرة الفاخوري، ومن أبرز شيوخ عشائر السلط العريقة، حيث تذكر المصادر التاريخية، أن عشيرة الفاخوري قدمت من لبنان قبل (350) عاماً، وأقاموا في السلط وأصبحوا من عشائرها المعروفة. وقد كان لوالده له مكانة اجتماعية كبيرة، كما حسب حسابه رجال الحكم العثماني، نظراً لمكانته وكلمته المسموعة بين المسلمين والمسيحيين، وحيث أندمج المسيحيون والمسلمون في بنية اجتماعية غنية ومتماسكة، ويتشاركون في كل شيء، وكان أن عمل الشيخ شوباش على تربية أبنه أيوب على ركائز هذه الثقافة الغنية، وهيئه بشكل جيد لمواصلة دوره في خدمة وطنه وأمته ودينه، فبعد أن تلقى تعليماً أولياً في السلط، لا شك أن والده عمل كما عادة كثير من أعيان شرقي الأردن، بأن يرسلون أبناءهم إلى القدس، من أجل إكمال دراستهم، في ظل غياب المدارس الثانوية، ولقرب المسافة بين السلط والقدس ونابلس، وهذه الدراسة فتحت الطريق أمامه ليتعمق في دراسة الدين المسيحي ضمن طائفة الروم الأرثوذكس، ومن ثم يدرس اللاهوت، الذي رسم طريق حياته فيما بعد.

دخل أيوب الفاخوري سلك رجال الدين المسيحي في وقت مبكر، فكان ناشطاً كرجل دين متنور، فتحرك اجتماعياً بين جميع الأوساط، ووسع نطاق علاقاته بين ضفتي النهر، بين رجالات الدولة من مسلمين ومسيحيين، فكان رجل دين مسيحي بثقافة إسلامية منفتحة، وكان يتحرك بين الأردن وفلسطين بشكل دوري، وقد أهله كل ذلك بالإضافة اجتهاده الديني، إلى أن رّسم خورياً في السلك الكهنوتي عام 1905، وبذلك أصبح خورياً لطائفة الروم الأرثوذكس، فيكون بذلك واحداً من أبرز رجالات الدين المسيحي في الأردن، حتى أنه مؤسساً ضمن طائفته، فقد برز دوره بشكل ملحوظ، من خلال جهوده في بناء كنيسة الروم الأرثوذكس في مدينة السلط، وهو العمل الذي تعاضد فيه أبناء السلط جميعاً، والذي ترك أثره العميق في نفوس أبناء السلط، وهي أحداث تكشف عن بنية المجتمع الأردني الحقيقية.
إلى جانب دوره كرجل دين، عمل الخوري أيوب الفاخوري، عضواً في مجلس بلدية السلط في عهد الحكم العثماني، فنهض بذلك بعمل مدني لخدمة أبناء المدينة، والقيام على حوائجهم، وهذا مهمة قربته أكثر من الناس، ومن مختلف الشرائح، كما حافظ خلاله على إرث والده، الذي كان يقوم بدور اجتماعي وإصلاحي مشهود ومؤثر، وبعد خدمته في البلدية بشكل ناجح، وفي وأواخر العهد العثماني عاد الخوري أيوب الفاخوري إلى القدس وأقام هناك عدداً من السنوات، يقوم خلالها بعمله كرجل دين، يتمتع بثقافة عالية، ولم تنقطع زياراته للسلط في هذه الفترة. لكنه عاد إلى مدينته السلط بعد خروج العثمانيين، نتيجة لنجاح الثورة العربية الكبرى، وقيام الحكومة العربية في دمشق، والمناداة بالأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا الطبيعية، في فترة حرجة من تاريخ المنطقة.

بعد سقوط الحكومة العربية في دمشق على يد الفرنسيين، عانت المنطقة من فراغ سياسي وإداري، فتشكلت الحكومات المحلية، فقد شكل أبناء البلقاء حكومة إدارة محلية، كانت تحت اسم حكومة البلقاء العربية، ضمت السلط وعمان ومادبا، وبادرت هذه الحكومة بإجراء انتخابات لمجلس شورى، ليراقب عمل الحكومة، وكان أن فاز بعضوية هذا المجلس الخوري أيوب الفاخوري ممثلاً عن مسيحي السلط مع بخيت الإبراهيم، وعن مسيحيي مادبا فاز الشيخ إبراهيم الشويحات، بالإضافة لعدد من الشيوخ والوجهاء من أمثال: الشيخ ماجد العدوان، شمس الدين سامي، سعيد المفتي، علي سيدو الكردي، الشيخ إسماعيل السالم العطيات، الشيخ سيعد الصليبي، الشيخ نمر الحمود العربيات، والشيخ محمد الحسين العواملة، وهذا دل على التوجهات الديمقراطية المبكرة عند أبناء الأردن.

 غير أن قلة الموارد والخبرات الإدارية، بالإضافة إلى الأطماع البريطانية، هي عوامل لم تمنح فرصة النجاح لهذه الحكومة أو غيرها من الحكومات المحلية في شرق الأردن، فانضوت جميعها تحت قيادة الأمير عبد الله الأول ابن الحسين، الذي وصل عمان قادماً من معان، وأعلن قيام إمارة شرقي الأردن، التي لم يكن لها من إمكانيات تميزها، وتشد من ساعدها غير عزم رجالاتها، وارتباطهم الوثيق بالقضايا العربية المصيرية.

لقد سعى الأمير عبد الله الأول خلال مرحلة التأسيس الأولى، إلى الإفادة من إمكانيات أبناء الأردن، خاصة المتعلمين منهم، مع علمنا أن التعليم الثانوي كان نادراً، والجامعي يكاد لا يكون موجوداً، لذا فقد عمل الأمير المؤسس، على تعيين الخوري أيوب كأول رئيس لطائفة الروم الأرثوذكس، وبذلك حصل على لقب الأيكونومس، وبهذه الصفة أصبح وكيلاً للبطريرك في الأردن، ومن المناصب المهمة التي أسندت إليه بصفته ولقبه الديني، منصب رئيس محكمة الكنائس، فكان متعدد المناصب الدينية، وصاحب المكانة الرفيعة من أبناء الطائفة من العشائر المسيحية، وقد عززت هذه المهام والمراكز من مكانته بين الناس، فكان قريباً من البسطاء والفقراء، ومحسوباً على الوجهاء ورجالات الوطن، الذين تحولوا مع الأيام رموزاً وطنية كبيرة.

لم يقف الخوري أيوب الفاخوري عند حدود نشاطه وواجباته الدينية، بل كان من مؤسسي الفكر السياسي الأردني، ومن الذين كان لهم الريادة في تأسيس الأحزاب السياسية الأردنية، هادفاً إلى المساهمة في بناء مؤسسات الوطن، والذود عنه بالنضال السياسي، من أجل استقلاله وتحقيق تنمية شاملة لأبنائه في المستقبل المنظور والبعيد، فشارك بمعظم الندوات والمؤتمرات السياسية، وكان من مؤسسي حزب اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعب الأردني العام عام 1933، ومن أدواره المشهودة دوره في بناء مدرسة السلط الثانوية، لتكون أول مدرسة ثانوية في الأردن. وبقي الخوري أيوب الفاخوري من أبرز رجال الدين المسيحي، عاملاً بنشاط في كل المجالات حتى وفاته عام1966، بعد عمر طويل ناهز المئة عام، وقد خرج أهالي السلط ووفود من مدن الأردن في وداع فقيد الأردن الكبير.
تعليقات (فيس بوك)
0تعليقات (بلوجر)

0 التعليقات:

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).