‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ. إظهار كافة الرسائل

الموسيقي الفرد سماوي .. أمير العود وفارس اللحن الأصيل

|0 التعليقات

إن الحركة الفنية الأردنية في مجملها، تستند بما وصلت إليه من مكانة وإنجازات واضحة، إلى جيل من الرواد الكبار، الذين ظهروا في زمن صعب، ونبتوا في الأرض البور معتمدين على مواهبهم وطاقاتهم الذاتية، محولين الصعب وشبه المستحيل إلى حالة إبداعية مؤثرة، رغم قلة الإمكانيات ورفض المجتمع حينها لبعضهم، وغياب الإعلام القادر على حمل هذه المواهب وإيصالها بالشكل المستحق، لذا عاش وأبدع كثير منهم في الظل، أو كان حضوره وانتشاره ليس بالحجم الذي يتلاءم مع منجزه وريادته ومكانته التي حققها بالتعب وبالاعتماد على النفس، غير أنه لولا هؤلاء الرواد الذين غلف الصمت سنوات طويلة من عملهم المضني، لما وجدنا أساساً متيناً تنهض عليه الحركة الموسيقية.

يعد الموسيقي عازف العود الفرد برهم سماوي، رائداً بحق في مجال العزف والغناء والتدريب من خلال أنشطته المختلفة، وفرقته التي أسسها والتابعة لنادي التمثيل والغناء، وقد ترك سماوي أثره الفني على أكثر من جيل من الموسيقيين والمغنيين، يكفي أن نذكر أنه من علم الفنان الأردني الكبير توفيق النمري العزف على آلة العود. فقد اعتمد على نفسه، وتعلم على نفسه من خلال قدرته الفذة في الحفظ وموهبته الفنية الأصيلة، مما جعله في مقدمة ذاك الجيل الأول الذي غاب عن الذاكرة لفترة طويلة، وعلى المؤسسات المعنية كتابة تاريخ الفن الأردني الحديث، على أسس علمية ومناهج سليمة، فشخص ومنجز الفرد سماوي مجهول اليوم حتى عند بعض المختصين والمهتمين، مع أن منجزه ومن جايله من الفنانين يستحق الوقوف والتدوين، ولعل ما قام به الباحث أنس ملكاوي في كتابه وفيما نشره في مجلة فنون تحت عنوان « تاريخ دخول آلة العود إلى الأردن وأشهر عازفيها « يعد مرجعاً لا بأس به في هذا السياق.

كانت ولادة العازف الفرد برهم سماوي في العقد الثاني من القرن العشرين، تحديداً في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني عام 1913، حيث شكلت مدينة اربد مسقط رأسه، فقد أقامت فيها عائلته القادمة من بلدة الفحيص في البلقاء، ولم تكن نشأته في هذه البلدة الكبيرة التي سرعان ما تحولت إلى مدينة ناشطة، يختلف عن أبناء تلك الفترة، التي عانى فيها الناس من الفقر وغياب الاهتمام والتنمية، ولم تكن المدارس متاحة للجميع، بسبب ندرتها، وبعدها عن كثير من مواقع إقامة الطلبة، وبالرغم من ذلك حظي الفرد بفرصة الالتحاق بالمدرسة، وقاوم ظروفاً معيشية متعددة وواصل دراسته، حتى وصل إلى الصف العاشر في مدرسة ثانوية اربد، ولم يتمكن من إكمال دراسته بعد ذلك، فقد كان عليه الانخراط في سوق العمل، من أجل تحقيق دخل يساعد في تحمل أعباء الحياة.

استهل الفرد سماوي حياته العملية بالانضمام إلى مكتب المحاماة الذي أنشأه والده برهم سماوي، حيث كان والده يعمل محامياً في اربد، وبدأ يساعد والده في إنجاز بعض الأمور الإدارية الخاصة بالمكتب، بقصد اكتساب خبرات عملية، ومساعدة والده في شؤون العمل داخل مكتب المحاماة، وكان والد الفرد سماوي محباً للفن خاصة الموسيقى، فقد كان عازفاً بارعاً على آلة الأكورديون، وكان الفرد يستمع لعزف والده في البيت وفي حفلات الفرح والطرب، فتشبع بالحس الجمالي الصحيح منذ صغره، وعشق الموسيقى وتولع بها، لدرجة أنه كان يحفظ الألحان التي يعزفها والده وغيره غيباً، ولم يكن والده يشجعه على الموسيقى لصعوبة طريقها، وللظروف الاجتماعية في تلك الفترة، غادر الفرد مكتب والده ليعمل عام 1939 موظفاً في الجيش البريطاني في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث عين برتبة رئيس كتاب، وبقي خلال عمله هذا مخلصاً لفنه، معتبراً العزف على العود المتعة والسمو الذين يستحقان العناء والتضحية، فكان ينتهز الفرصة كلما أقيمت حفلة داخل العمل أو خارجه لعزف فيها فيطربون له ويثنون على عمله.

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ترك الفرد سماوي عمله في الجيش البريطاني، والتحق بشركة التابلاين وكان مقر عمله في محافظة المفرق، وعين بنفس رتبته الوظيفية السابقة وهي رئيس كتاب، بعد فترة من الزمن انتقل مقر شركة التابلاين إلى مدينة بيروت عام 1952 مما منح سماوي فرصة السفر والإقامة في بيروت التي تعد من أنشط الحواضر العربية في الثقافة والفنون، وبالرغم من قصر المدة إلا أنه تعرف على عالم جديد متحرك، والتقى ببعض الفنانين اللبنانيين والعرب في بيروت، عاد بعد ثلاثة أشهر إلى الأردن، ليكمل عمله في الشركة فيما سمي بمنطقة « النقطة الرابعة « واستمر في عمله هذا حتى عام 1954، وخلال هذه الفترة غادر هذه المنطقة، بسبب انتدابه للعمل في كل من مدينتي درعا السورية وحيفا الفلسطينية، وفي عام 1954 ترك العمل في هذه الشركة، وبدأ مرحلة جديدة من العمل الحكومي.

عيّن الفرد برهم سماوي موظفاً في وزارة المالية خلال الفترة الممتدة من عام 1954 إلى عام 1984، حيث تنقل داخل الوزارة في أكثر من موقع، وكان محبوباً ومقرباً من الجميع، لما تمتع به من صفات محببة، بالإضافة لموهبته الفنية الغنية، وقد أحيل على التقاعد علم 1984. لم ينقطع عن العمل الفني خلال وظائفه المختلفة، فبقي مخلصاً لمسيرته الفنية التي بدأها عام 1927 خلال مرافقته لوالده في الحفلات، وحفظه للألحان حيث تدريب على نفسه دون معرفة والده، إذ تمكن من شراء آلة عود وأخذ يدرب نفسه العزف عليها وهو في عمر الرابعة عشر عاماً، وقد ساعدته ملكته الفنية بعزف الألحان التي حفظها، وكانت متميزاً بعزفه متقناً لمهاراته الفنية في هذا المجال، وأخذ ينشط على الساحة الفنية والشعبية في مدينة اربد، فبدأ بالعزف في الحفلات والأفراح في اربد ومحيطها خاصة بلدة الحصن، وقد ذاع صيته وانتشرت شهرته في الشمال، وتعلق الناس بعزفه الذي يوازي كبار العازفين العرب.

من منجزات الفرد سماوي تأسيس نادٍ للتمثيل والموسيقى في محافظة اربد عام 1945، حيث عمل النادي على استيعاب المواهب في المنطقة في التمثيل والعزف والغناء، بالتالي قدم للساحة مواهب على مستوى عالٍ من الأصالة والقدرات المدربة والمصقولة، وهذا كان له أكبر الأثر في رفد الساحة الفنية المحلية بالخامات المؤهلة في هذه المجالات النادرة في تلك الفترة، كما عمل النادي ومن خلال نشاط الفرد سماوي على دعوة عدد من الفرق المحلية والعربية، من أجل إقامة حفلات فنية من بهدف تحقيق التواصل وتوفير الاحتكاك للعازفين والمغنيين الأردنيين خاصة في منطقة الشمال، ومن هذه الفرق العربية: فرقة علي لوز المصرية، وفرقة المحمصاني اللبنانية، وفرقة المغني سلامة الأغواني، وهذه الأخيرة كان سماوي يعزف معها على آلة العود بدعوة من مؤسسها الأغواني.

عمل الفرد سماوي على تشكيل فرقة عزف خاصة أطلق عليها اسم « فرقة الشموع « وهي فرقة بقيت تابعة لنادي التمثيل والموسيقى، وقد تشكلت الفرقة من عدد من العازفين منهم: الفرد سماوي على آلة العود، وفؤاد عكاوي مطرباً وعازفاً على الكمان، وجوزيف عكاوي على الكمان أيضاً، وجواد الأفريقي على آلة الناي، وكان يعود ريع حفلات هذه الفرقة لصالح النادي، كما يذكر ذلك أنس ملكاوي في مجلة فنون، وهي فرقة كان لها نشاط ملحوظ في اربد والحصن وبعض المناطق المحيطة، وأسهمت في نشر الثقافة الموسيقية وزيادة تقبل الناس لهذا النوع من الفنون وتقديرهم للعازفين والمطربين، مما أوجد حالة من الوعي المستنير، الذي أحل هذا الفن والقائمين عليه المكانة المناسبة.

سعى الفرد سماوي إلى بناء صلات مع عدد من كبار الفنانين العرب، من أمثال الفنانة فتحية أحمد، والمطربة ماري جبران، والموسيقار محمد عبد الوهاب، والموسيقار فريد الأطرش وكذلك مع الفنانة فيروز والفنان وديع الصافي، وكان لهؤلاء الكبار تأثير كبير على فنه وحياته، فكانوا المدرسة التي تربى ونشأ عليها فنياً وفكرياً، وهذا ما دفعه أن يتعمق في دراسة العود والعزف عليه، حتى صار من أبرز العازفين على هذه الآلة العربية العريقة، وقد نقل هذه الخبرات لكل من دربه، ومن ضمنهم الفنان الكبير توفيق النمري، فقد عد نجاحه نجاحاً شخصياً له، فقد أحبه وتنبأ له بالنجاح والتميز، وبقي سماوي مخلصاً للفن الأصيل كالموشحات وأغاني سيد درويش والمواويل العربية، وكان يدعو دائماً للمحافظة على الفن الأصيل والاهتمام بتدريس الموسيقى على الأسس الصحيحة، ولم يتخل عن نهجه حتى وفاته يوم السادس من نيسان عام 2002 عن عمر قارب التسعين عاماً.

آمنة أبو غنيمة .. من رائدات التربية والتعليم

|0 التعليقات
أمنة أبو غنيمة

تعد آمنة علي أبو غنيمة، إحدى أبرز رائدات التربية والتعليم في الأردن، فقد شهد هذا القطاع نمواً مطرداً منذ تأسيس إمارة شرق الأردن، رغم غياب البنية التحتية خلال عقود طويلة، عانت فيها البلاد من الإهمال، وغياب شبه تام للتنمية، تحت حكم الدولة العثمانية، الذي دام أربعة قرون، فسادت الأمية بشكل كبير، وعانى الراغبون في التحصيل العلمي، كثيراً من أجل الالتحاق بمداس في الحواضر البعيدة، كدمشق والقدس والقاهرة، وكان نصيب المرأة الأردنية من مصاعب التعليم كبيراً، حتى أن وجود متعلمات منهن يعد نادراً جداً، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حتى الربع الأول من القرن العشرين، هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من فئات المجتمع في تلك الفترة، لا تشجع التحاق المرأة بالمدارس القليلة، نظراً لعدم انتشار التعليم كما هو عليه الحال هذه الأيام.

رغم هذا الواقع الصعب، فإن عدداً من النساء الرائدات واجهن الظروف الصعبة، وكان لهن قصب السبق في دخول معركة تعليم البنات، لأن التنمية الحقيقة لا تنهض إلا من خلال مجتمع متعلم، تتحقق فيه المساواة بين الرجل والمرأة، وكانت آمنة علي أبو غنيمة وشقيقتها الأكبر زينب، هن من أوائل من تقدمن بخطوات واثقة نحو تلقي التعليم داخل سور المدرسة، فقد تربت آمنة وسط أسرة متعلمة، تقدر التعليم للرجال والنساء على حد سواء، حيث كان والدها تربوياً رائداً، وأول من أنشأ مدرسة خاصة في مدينة اربد، وبالتالي كان له فضل كبير في تشجيع بناته للالتحاق بالمدرسة، رغم تحفظ بعض الأهالي في تلك الفترة من تعليم البنات، وقد دعم أشقاءهن المتعلمين، رغبتهن في الدراسة، وساعدوهن في ذلك، حتى أن شقيق آمنة الأكبر تولى تعليمها بنفسه في البيت خلال السنوات الأولى، مما سهل عليها دخول المدرسة مع شقيقتها زينب.

ولدت المربية الفاضلة آمنة أبو غنيمة، في العقد الأول من القرن العشرين في عام 1909، في مدينة اربد التي كانت بلدة كبيرة شمالي الأردن، الذي كان ما يزال يتبع الدولة العثمانية، التي حاربت التعليم في آخر عهدها، وفرضت اللغة التركية وهمشت اللغة العربية، وقد كان لنشأتها في بيت عرف باهتمامه وتقديره للعلم والمعرفة دور حاسم في توجهاتها لتعليم وتوجهات أخوتها، فقد كان لوالدها تأثير كبير على أفراد البيت، وهو المدرس والمربي الكبير، حيث كان الأخ الأكبر حسن أول أردني يحصل على شهادة دار المعلمين، من اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية، في حين كان شقيقها صبحي من أوائل من حصل على شهادة الطب من جامعة برلين في ألمانيا، وكان لأختها التي تكبرها بسنتين الريادة في الحصول على شهادة دار المعلمات من دمشق عام 1922، وقد تأثرت آمنة بهذا المناخ الذي نشأت وترعرعت فيه، فبدأت مشوارها مع التعليم، عندما بدأت تتلقى دروسها الأولى على يد شقيقها حسن، وذلك لعدم توفر مدارس للبنات في اربد، في تلك المرحلة من تاريخ البلاد.

أظهرت آمنة ذكاءً وتميزاً في دروسها البيتية، وقد ساعدها هذا التميز في تسهيل انتقالها إلى مدينة دمشق، حيث التحقت بمدرسة البيمارستان، وبعد أن أنهت دراستها في هذه المدرسة، التحقت بدار المعلمات بدمشق، وقد أمضت ثلاث سنوات في دار المعلمات، حيث نالت بعدها شهادة دار المعلمات بتفوق، فعادت إلى اربد مسلحة بشهادة علمية، كانت في ذلك تعد خطوة متميزة، فتحت الباب واسعاً لتعليم البنات في الأردن، وقد عينت فور عودتها، مدرسة في مدرسة إناث إربد عام 1923، التي أنشئت قبيل هذا التاريخ بفترة ليست كبيرة، وقد درّست في هذه المدرسة، وشجعت الأهالي على إرسال بناتهم إلى المدرسة، وكان لهذه المبادرة تأثيرها في زيادة عدد الطالبات في المدرسة.

أصبحت آمنة أبو غنيمة مديرة مدرسة الحصن للبنات، التي أسست في ذلك الوقت، وكان شقيقها محمود مديراً لمدرسة الحصن للذكور، وقد تميزت بعملها الدائم على تطوير المدرسة، وانفتحت على المجتمع المحلي، من خلال برنامج زيارات منزلية، للحض على تعليم البنات، والتوعية بأهميته تعليمهن وأثره على تنمية وتطور المجتمع والبلاد، وكانت محبوبة بين المعلمات والطالبات، ولها مكانتها بين نساء اربد والحصن، وقد كان لها إسهامات في بعض الجمعيات الخيرة، التي هدفت إلى خدمت الأهالي. نظراً لالتزاماتها العائلية، اضطرت إلى تقديم استقالتها من التعليم عام 1938، وتفرغت لتربية أبنائها، والقيام على شؤون بيتها، لكنها لم تتخل عن رسالتها التربوية، حيث علمت عددا من البنات في بيتها.

عادت المربية آمنة أبو غنيمة إلى التعليم مرة أخرى، وكان ذلك عام 1950، وكان أن أعيد تعيينها مديرة لمدرسة الحصن للبنات مرة أخرى، فعادت إلى عملها السابق بعد انقطاع سنوات، وكأنها لم تغب عن المدرسة، وقد اتسمت بالحماس والإقبال الكبير على العمل، وأعادت بناء علاقتها داخل المدرسة وخارجها، فكانت قريبة من الطالبات وأنشطتهن المختلفة، منفتحة على المجتمع المحلي، ومقدرة لدور الأهالي في دعم المدرسة في مبادراتها التربوية والتثقيفية المختلفة. بعد عملها في مدرسة الحصن، نقلت آمنة إلى مدينة جرش، لتصبح مديرة مدرسة بنات جرش الإعدادية، وفي جرش استمرت آمنة أبو غنيمة بنهجها المعهود، واستطاعت أن تشجع كثيرا من العائلات على إرسال بناتهن إلى المدرسة، ونشطت في العمل العام، ودعمت أنشطت عدد من الجمعيات الخيرية.

في عام 1961 أحيلت المعلمة والمربية الكبيرة آمنة أبو غنيمة إلى التقاعد، وقد تركت خلال مسيرتها التربوية، أثراً واضحاً على أكثر من جيل من بنات الأردن، في اربد والحصن وجرش، ومنذ وقت مبكر من تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، حيث شكلت مع شقيقتها الأكبر زينب أول المعلمات الأكاديميات في الأردن، وكان لهن دور في تحفيز كثير من البنات للتقدم نحو تلقي العلم، من خلال الالتحاق بالمدرسة، وتشجيع الأهالي للدفع ببناتهم للتعليم، وهذا أدى إلى وجود جيل من المتعلمات، اللواتي كان لهن دور مؤسس في تطور الأردن وتقدمه خطوات سريعة نحو التنمية الشاملة، التي أوصلت الأردن إلى ما وصل إليه، من تقدم ورقي في مختلف المجالات.

وقد عاشت آمنة في وجدان وذاكرة الناس طويلاً، وبقي ذكرها كإحدى رائدات التربية والتعليم وفي الأردن، راسخاً جيلاً بعد جيل، ونظراً لما حققته خلال عملها كمعلمة، وانجازاتها كمديرة لأكثر من مدرسة، وإسهاماتها على صعد النشاطات الخيرية، فقد تم تكريمها بشكل لائق، حيث منحها جلالة المغفور له الملك الحسين المعظم، وسام التربية والتعليم من الدرجة الثانية، في احتفال كبير أقيم عام 1975.

عرفت المربية آمنة أبو غنيمة، بإخلاصها العميق في العمل، وانتمائها المنتج لوطنها وقيادتها، ولم يحل التقاعد بينها وبين مواصلة العمل، حيث عملت على استثمار الوقت المتاح في الأعمال التطوعية، وبعض الأنشطة التثقيفية، التي تركت أثرها في المجتمع المحلي، فكانت قريبة من الناس، وتبادر بمساعدة كل من يحتاج إلى مساعدة، وتقدم النصح والمشورة للنساء من مختلف الأجيال والمستويات، مما جعل منها سيدة مجتمع من طراز رفيع، فحظيت بمحبة وتقدير واسعين، وبقيت ناشطة حتى وفاتها عام 1993، فكان عملها كالصدقة الجارية، لا ينقطع مداده في يوم من الأيام.

الأستاذ أديب وهبه

|0 التعليقات
"محمد أديب " حسين وهبه

شغل السيد محمد أديب حسين وهبه منصب مدير المعارف " وزير المعارف " في تعديلٍ جرى في 11/9/1926م على حكومة الرئيس حسن خالد أبو الهدى الصيَّادي المشكـَّـلة في 26/6/1926م ، وكان إسم الحكومة قد تغير من مجلس النظار ليصبح المجلس التنفيذي ، واستمر عضواً في حكومة الرئيس حسن خالد أبو الهدى الصيَّادي حتى 17/10/1929م حيث أعاد أبو الهدى تشكيل حكومة جديده لم يكن الوزير أديب وهبه من أعضائها .

وكان السيد أديب وهبه من رجالات الحركة الوطنية العربية منذ سنوات شبابه ، فما أن بلغه نبأ ثورة الملك شريف مكة الحسين بن علي على حكومة حزب الإتـِّـحاد والتـَّـرقــِّـي التي تسلطت على الدولة العثمانية في أواخر سنواتها والذي كان معظم قادته من يهود الدونمة والماسونيين الذين كان لهم علاقة بالصهيونية العالمية ، وكان في ذلك الوقت يعمل مدرساً للغة العربية وآدابها في كلية المعلمين في بغداد حتى سارع إلى تقديم استقالته في 18/7/1917م ليلتحق بالثورة فاختاره الملك فيصل بن الحسين ليعمل في بلاطه الملكي في دمشق بعد تأسيس الحكومة العربية الفيصلية مديراً للإعاشة برتبة رئيس ، ثم رُقــِّـي ليصبح معاوناً لمدير إدارة البلاط ، ولكن حنينه للعسكرية دفعه لطلب الإنتقال إلى الخدمة العسكرية الفعلية فاستـُجيب لطلبه ، وعين قائداً لسرِّية الدرك في السلط التي كانت عاصمة للبقاء التي كانت بدورها مع بقية مناطق شرقي الأردن تابعة للحكومة العربية الفيصلية في دمشق ، ثم رُقــِّـي إلى رتبة قائد في 21/5/1921م بعد تأسيس إمارة شرقي الأردن وكان من أبرز ضباط قوات الدرك في الإمارة التي كان يقودها عارف الحسن .

ويبدو أن خلفية السيد أديب وهبه التربوية أغرت حكومة الإمارة الناشئة إلى الاستفادة من خبراته وكفاءاته التربوية فعُيِّن مديراً عاماً للمعارف في 8/8/1921م ، ولم تكن الحكومة في ذلك الوقت تضم مدير المعارف في كادرها كوزير مستقل ، وبقي في منصبه مديراً للمعارف إلى 30/7/1923م عندما رضخت حكومة علي رضا الركابي لضغوطات سلطات الانتداب الإنجليزي فأصدرت أمراً بنقله مديراً لمدرسة السلط الثانوية الوحيدة في الإمارة في حينه ، فاعتبر أديب وهبه قرار نقله بمثابة إهانةٍ توجهها الحكومة إليه فاستقال ، ويبدو أن استقالة السيد أديب وهبه زادت من حقد الإنجليز عليه فضغطوا على رئيس الحكومة مظهر رسلان الذي خلف الركابي في رئاسة الحكومة فأصدر أمراً باعتقاله ، ولكنه كان أسرع إلى اللجوء إلى دمشق ، وبقي فيها متستراً إلى أن صَدَرَ عفو أميري فعاد إلى عمان ليشغل مرة أخرى منصب مدير المعارف في 13/9/1924م ، ثمَّ انضمَّ إلى الحكومة بمنصب مدير المعارف " وزير المعارف " في حكومة الرئيس حسن خالد أبو الهدى الصيَّادي المشكـَّـلة في 26/6/1926م بموجب تعديل وزاري جرى عليها في 11/9/1926م ، وبقي في منصبه الوزاري حتى 17/10/1929م ، عندما أعاد الرئيس حسن خالد أبو الهدى تشكيل حكومة جديدة استثنى منها مديرية المعارف "وزارة المعارف" فاستمر السيد أديب وهبه في منصب وزير المعارف من خارج الحكومة حتى 25/9/1935م حيث حلَّ مكانه في منصب وزير المعارف السيد أحمد طوقان منتدباً من حكومة  الإنتداب البريطاني في فلسطين ، وفي 18/1/1940م عُيِّن السيد أديب وهبه قنصلاً لإمارة شرقي الأردن في القاهرة ، وفي 1/1/1942م نـُـقِـلَ قنصلاً للإمارة في فلسطين وبقي في هذا المنصب حتى 15/12/1943م حيث نـُـقِـلَ مديراً للبرق والبريد ثم أُعيد تعيينه مديراً للمعارف حتى 31/12/1944م حيث أحيل على التقاعد .

على صعيد العمل السياسي كان الأستاذ أديب وهبه منذ بواكير شبابه متأثرا بطروحات الحركة الوطنية العربية وخاصة حزب الإستقلال العربي الذي كان أحد مؤسِّـسي فرعه الأردني في صيف عام 1921 م ، وبعد نجاح المحتلين الإنجليز في تشتيت رجالات الحزب ، شارك أديب وهبه في تأسيس حزب أحرار الأردن بزعامة علي خلقي باشا الشرايري في عام 1923 م، وفي عام 1936 مشارك في تأسيس  الحزب الوطني الأردني بزعامة الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة .

وكان السيد أديب وهبه يتقن إلى جانب لغته الأم العربية اللغات التركية والفرنسية وله إلمام بالإنجليزية ، ولعل براعته باللغة العربية واتـِّـساع ثقافته دفعتاه لولوج أبواب الأدب فانشغل في كتابة القصة القصيرة في بعض مراحل حياته ، وترك من بين مقتنياته عدداً من مخطوطات القصص القصيرة بأسلوب سلس ، ولعل أبرز ما حفلت مسيرة السيد أديب وهبي الوطنية في مجالاتها السياسية والعسكرية والتربوية ما كان يتمتع به من احترام وثقة رموز عصره ، ويشهد على ذلك الكم الكبير من الرسائل التي كان يتلقاها من هؤلاء الرموز والتي تلطـَّـف بجلة المحامي نائل وهبه باطلاعي على بعضها والتي أرى أن الحديث عن أديب وهبه لا يكتمل إلى بالإشارة إلى بعضها ، ففي رسالة من الملك فيصل بن الحسين يستحث الملك فيصل أديب وهبه على طمأنة السلطيين إلى أن إخوانهم العرب وجيوشهم العرب سيثأرون لهم ،  وفي رسالة من الوطني العربي أحمد مريود في 27/8/1920م يطلب مريود من السيد أديب وهبه الإسراع في استنفار القوة العربية لنستعيد شرفنا المهان وحقنا المغتصب وجاءت هذه الرسالة في أعقاب هجمة المستعمرين الفرنسيين على دمشق وإسقاط الحكومة العربية الفيصلية ، وعندما عُين السيد أديب وهبه مديراً للمعارف في إمارة شرقي الأردن وكان يطلق عليها اسم حكومة " الشرق العربي " تلقــَّـى في 28/9/1924م رسالة من الأديب العربي الكبير محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي في دمشق تطري ما يتمتع به أديب وهبه من أدبٍ وعلم وغيرةٍ على نهضة الوطن ، وفي 21/12/1926م تلقــَّـى أديب وهبه من الدكتور محمد صبحي أبو غنيمه الذي كان مغترباً في برلين هرباً من ملاحقة الإنجليز والفرنسيين  يُطري فيها ما يتمتع به أديب وهبه من وطنيةٍ وعلمٍ وأدبٍ ، ويجسِّد الكتابُ الذي أرسله مسلم العطار وزير المعارف في حكومة سمير الرفاعي المشكـَّـلة في 15/10/1944م إلى أديب وهبه يبلغه فيه بإحالته إلى التقاعد ما كان يتمتع به أديب وهبه من احترام كبير ، فقد تعمَّد الوزير أن يخاطب أديب وهبه في كتابه المؤرخ في 18/12/1944م بحضرة العالم المفضال والمربي الكبير أديب بك وهبه المبجَّل ، ويزخر الكتاب بعبارات الإطراء على المزايا الطـَّـيــبة التي تحلى بها أديب وهبه وعلى تفانيه في خدمة المعارف في بلاد الإمارة لرفع مستوى الثقافة بأمانة وإخلاص ودأبٍ مستمر .

ولم يكن أديب وهبه مسكوناً بهموم الأردن وفلسطين وسوريا والعراق وحدها، وإنما كان ما يقاسيه عرب ليبيا من الاستعمار الإيطالي يؤرِّقه فأقام علاقة وثيقة بالزعيم الليبي محمد الإدريسي السنوسي قائد الثورة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي ، والذي أصبح فيما بعد ملكاً لليبيا بعد خروج المستعمرين الطليان ، وجرت بينهما مراسلات عديدة كان من بينها رسالة من الإدريسي لأديب وهبه في 13/4/1944م .

ويذكر الدكتور هاني صبحي العمد في كتابه ( أحسن الربط في تراجم رجالات من السلط ) أن  الأستاذ " محمد أديب " حسين وهبه ولد في السلط  في عام 1892م /  1309هـ ، ويذكر العمد أن عائلة وهبه في السلط والقدس تنحدران من جدِّهم حسين الذي ارتحل إلى نابلس بعد منصف القرن التاسع عشر على أثر خلاف عائلي حول تقسيم أراضي العائلة ، ثمَّ ارتحل إلى السلط ليعمل محاسبا في بلديتها ، وتزوَّج بالسيدة حبسة بنت مصطفى العربيات التي أنجبت له نمر وأديب وثلاث بنات ، وقد أنهى  أديب وهبه دراسته الثانوية في القدس عام 1910م وكان الناجحون فيها يحصلون على شهادة تسمى ( شهادة فوق الأعلى ) ، وعمل بعد تخرجه معلما للتاريخ والجغرافيا في المدرسة السلطانية بالقدس ، ثمَّ التحق بالكلية الحربية في استانبول وتخرَّج  منها ضابطا في عام 1915 م والتحق فور تخرجه بالخدمة العسكرية في جيش الدولة العثمانية برتبة ملازم في 11/6/1915م ، وكانت خدمته في العراق وكان برتبة ملازم ، وأثناء الدفاع عن بغداد ضد الجيش البريطاني وقع أديب وهبه في أسر الإنجليز بعد أن أصيب بجراح ألزمته المستشفى في بغداد فترة من الزمن ، وبعد أن استقرَّت الأوضاع لصالح الإنجليز في العراق لم يجدوا مفراً من الاستفادة من كفاءة أديب وهبه فعيَّنوه رغم معرفتهم بميوله الوطنية والثورية كاتباً في القسم العربي في نظارة المالية " وزارة المالية " في بغداد في 11/5/1917م ، وعندما وصلت شهرته في تدريس اللغة العربية وأدبها إلى مسامع بعض أعضاء مجلس المعارف في العراق ثمَّ نقله من نظارة المالية للعمل أستاذاً للآداب العربية في دار المعلمين ببغداد فأبدع في مهنة التدريس ، وكان قد مارسها بعد تخرُّجه وحصوله على شهادة درجة فوق الأعلى عندما عمل مدرساً للتاريخ والجغرافيا في المدرسة السلطانية في القدس في عام 1910م .

وقد ذَكَرْتُ أن أديب وهبه كان من رجالات الحركة الوطنية ، ولذلك فلم يكن غريباً أن يظهر مع العديد من رجالات الحركة الوطنية الأُردنية ومنهم السيد أديب وهبه تعاطفاً مع ثورة " العدوان " التي قادها الشيخ سلطان باشا العدوان ضد حكومة الركابي التي كانت ممالئة للإنجليزالذين صبُّـوا جام غضبهم على أديب وهبه ورفاقه فأوعزوا إلى  حكومة مظهر رسلان باعتقاله ولكنه لجأ إلى بادية الشام التي كانت سيطرة المستعمرين الفرنسيين حلفاء الإنجليز غير كاملة عليها ، وساعده على اللجوء إلى بادية الشام ما عرف عنه من إلمام بحياة البداوة وتقاليدها ، وقد ترك أديب وهبه فيما ترك من أوراق بعد انتقاله إلى رحمة الله بعض المخطوطات بخط يده عن بعض نواحي الحياة في البادية وخاصة فيما يتعلق بعادات البداوة في الضيافة وحقوق الضيوف وواجباتهم وفيما يتعلق بالقضاء وتقاليده عند البدو ، وقد تلطف نجله الأستاذ المحامي نائل وهبه فأطلعني على هذه المخطوطات ، وعلى صعيد قرار حكومة مظهر رسلان باعتقال أديب وهبه تـُـبين رسالة صادرة في 8/9/1923م أطلعني عليها نجله المحامي نائل وهبه وهي موجهه من وزير المستعمرات البريطاني السير ب- توماس  إلى المندوب السامي البريطاني في فلسطين أن الإنجليز كانوا وراء إصدار حكومة مظهر رسلان أوامر باعتقال تسعة من رجالات الحركة الوطنية في شرقي الأردن تمَّ اعتقال ستة منهم فعلا لم يكن أديب وهبه منهم ، وتحدثت الرسالة عن جدية حكومة مظهر رسلان في اعتقال المطلوب أديب وهبه الذي وضعته رسالة وزير المستعمرات البريطاني بأنه كان " الأهم " من بين المطلوبين التسعة .

وفي أثناء توليه منصب مدير المعارف بعد عودته من دمشق انتدبت حكومة الإمارة أديب وهبه ليكون ممثلها في اجتماعات مؤتمر الاستانه "استنبول" في شهر تشرين أول من عام 1924م للنظر في مسألة الديون العمومية المتعلقة بالأجزاء التي انفصلت عن الدولة العثمانية وكانت شرقي الأردن من هذه الأجزاء .

توفي الأستاذ أديب وهبه إلى رحمة الله بعد حياة حافلة بالعطاء في 13/5/1949م .

إسماعيل عريضة

|0 التعليقات
أسماعيل عريضة

لم تكن مدينة مادبا بعيدة عن الحراك الديموغرافي، الذي تميز به الأردن منذ فجر التاريخ، وظهرت تجلياته الرائعة مع بدء دورة الدولة الأردنية الحديثة عام 1921، التي تزامن تأسيسها مع اضطراب سياسي وعسكري شمل المنطقة بأسرها، وتميزت مادبا بفضل موقعها المتوسط، وقربها من العاصمة عمان، وكثرة قراها وخصوبة أراضيها، مما جعلها مقصداً للتجار وطالبي الاستقرار، والباحثين عن فرص لحياة أفضل ومستقبل آمن، لذا كانت حاضنة لجزء من هذا الحراك البشري، وهي التي تميزت ولا زالت بالمحبة والألفة، وبالتنوع الثقافي الثري واللافت، وهي اليوم بفضل ميزاتها وجهود أبنائها، وما توليه الحكومة من دعم لتطويرها، تعد ركيزة في البنية السياحية والاقتصادية والروحية في الأردن.

بالرغم من أن إسماعيل عريضة، عاش حياة مليئة بالإثارة والمغامرة، فقد كان مجاهداً عربياً وثائراً قومياً حقيقياً، كاد يسجل في مواكب الشهداء في أكثر من ساحة نضالية عربية، فقد توارى عن الأضواء، وعاش سنواته الأخيرة بهدوء، حتى كاد ينسحب من الذاكرة، ويدخل في دائرة النسيان، لأنه اكتفى بما أنجز، ولم يكن طامعاً بجاه أو مال، لذا اختار الصمت المنتج، ووثق مذكراته الغنية بأخبار الثورات العربية، ومعارك الجيش العربي، وهي المذكرات التي حققها الباحث محمد الصويركي، غير أن جهاده ومبادراته، والأحداث الجسام التي خاض عبابها، تبقيه واحداً من رموز الوطن الأوفياء، الذين ذادوا عن الحمى العربي، بكل شجاعة ورباطة جأش، ولم تثنهم عن ذلك المسافة أو المخاطر.

ولد إسماعيل عريضة في مدينة مادبا عام 1902، أي واكبت ولادته انطلاق القرن العشرين، بكل ما تحمل هذه المواكبة من تعقيدات واضطرابات مختلفة، وينتمي إسماعيل عريضة لأسرة دمشقية، امتهنت التجارة، حيث كان لوالده صلات تجارية مع الأردن، خاصة مدينة مادبا وما جاورها من مضارب وقرى، وكان والده معروفاً بين قبائل بني ضخر وبني حميدة والقبائل البلقاوية في مادبا، كتاجر محط ثقة، وقد تحولت هذا الصلات إلى علاقات إنسانية عميقة، غير أن إسماعيل عريضة عاد برفقة والده وعائلته إلى دمشق، حيث نشأ في حي الميدان الشهير، الذي كان معقلاً للثوار والمناضلين، المناهضين للأتراك ومن بعدهم الفرنسيين، ولا شك أنه تشبع بهذه الأجواء المليئة بالتحدي ورفض الاحتلال، وكان أن تلقى بعض التعليم في كتّاب الحي، لكنه سرعان ما دخل التجارة، التي تبدأ بالأجير أو ما يسمى ( الصبي ) حتى كبار رجالات التجارة، هكذا تنتقل حرفة التجارة بالتوارث.

أختط إسماعيل عريضة لنفسه طريقاً مستقلاً، بدأه بتأسيس دكانه الخاص في قرية ( الهوية ) في جبل الدروز، وكان ذلك خلال الفترة من عام 1921 وحتى عام 1924، حيث دفعه اضطراب المنطقة لمغادرة جبل الدروز - جبل العرب – وعاد إلى مسقط رأسه في الأردن، أقام فيها فترة، لكنه عاد بعدها إلى منطقة حوران بقصد المتاجرة والإقامة، فأسس محلاً تجارياً فيها، وتمكن سريعاً من استعادة نشاطه التجاري، غير أن الأحداث تسارعت، وعادت الأحوال للاضطراب من جديد، عندما قام سلطان باشا الأطرش بقيادة الثورة السورية، ضد الاحتلال الفرنسي في جبل العرب وحوران، فقرر إسماعيل عريضة إغلاق دكانه، والرحيل إلى دمشق، وقد اختار السكن في قرية تدعى ( يبلا ) في غوطة دمشق، وفي تلك الفترة الدقيقة، حزم أمره وقرر ترك تجارته وشؤونه الأخرى، والالتحاق بالثورة، حيث خاض معارك حامية مع المجاهدين الثائرين، لتتغير مسيرة حياته منذ تلك اللحظة.

كرس إسماعيل عريضة نفسه للثورة، وأخذ يشارك في معاركها ومواجهاتها المختلفة، حيث قاتل في جبل العرب، وخاض صدامات دامية في بلدات سهل حوران، وفي محيط مدينة دمشق، وفي الغوطة التي تمركز فيها جمع من الثوار، ووصلت مشاركاته في هذه الثورة حتى جنوب لبنان، لكن جيش فرنسا المتفوق عدداً وعدة، مارس أبشع صور القمع والتدمير، وتمكن من إنهاء الثورة بوحشية كبيرة، وقام الفرنسيون بإعدام عدد كبير من المجاهدين، وشنوا حملات ملاحقة للثوار، وقد رافق إسماعيل من ثوار الأردن عدد كبير، منهم خليل ملحس وطلب الجبور وفضل الدروبي، وكان رجالات الأردن قد جهزوا قوة من المجاهدين خرجت من الشمال، وأخرى خرجت من البلقاء – مدن الوسط – للمشاركة في الثورة.

عمل إسماعيل عريضة على استثمار علاقاته ومعارفه في الأردن، لذا كان إلى جانب جهوده في القتال، يعمل على جمع التبرعات والسلاح من رجالات الأردن، وكذلك من بعض التجار من أهل الشام المقيمين في الأردن، ويقوم بتأمين وصولها سراً إلى الثوار في سوريا، وفي سبيل ذلك رافق كل من نزيه المؤيد وفوزي القاوقجي والأمير عز الدين الجزائري وسعيد بيك العاص، من أجل حماية هذه المعونات وإيصالها للثوار، حيث يذكر إسماعيل عريضة في مذكراته، الدور الكبير الذي كان يقوم به سمو الأمير عبد الله المؤسس، الذي كان يتبرع شخصياً لدعم الثوار، ويحظ الشخصيات الأردنية على التبرع ومؤازرة المناضلين، بالإضافة لفتحه البلاد لتكون ملاذاً آمناً للثوار الملتجئين من بطش الفرنسيين، الأمر الذي أثار غضب الفرنسيين والبريطانيين على حد سواء.

بعد توقف العمليات العسكرية للثورة، رجع إسماعيل عريضة إلى الأردن عام 1927، وعاد إلى ممارسة التجارة في مدينة الكرك ومحيطها، وقد أحب بساطة أهل القرى والبادية، وطاب له العيش معهم، وهو الذي ارتبط معهم بعلاقات وثيقة، وقد استقر عام 1928 في قرية ( أمرع ) في مادبا، غير أن حسه القومي العالي، وارتباطه الوثيق بالفكر النضالي التحرري، دفعه مجدداً للانخراط في الثورات العربية، لذا سرعان ما أنظم للثورة الفلسطينية، التي اندلعت بشكل كبير عام 1936، حيث تداعى رجالات من الأردن، إلى عقد مؤتمر في ( قم ) في عجلون، نتج عنه تجهيز حملة عسكرية من المتطوعين من بلدات وعشائر الأردن، للمشاركة في معارك الثورة الفلسطينية، في ما سمي بموقعة ( صمخ ) المشهودة، التي وقع فيها أول شهيد أردني على أرض فلسطين في تلك الفترة، وقد أنضو إسماعيل عريضة، في قتاله ضد الإنجليز واليهود في تلك الثورة، تحت إمرة القائد فوزي القاوقجي، حيث خاض معارك حاسمة كمعركة المنطار، التي أسقط فيها الثوار ثماني طائرات بريطانية، ولولا الترسانة العسكرية الكبيرة، لتمكن الثوار من حسم المعركة.

بعد مشاركته في الثورة الفلسطينية. التحق بالجيش العربي الأردني، مستثمراً بذلك خبرته الميدانية في القتال واستخدام الأسلحة الخفيفة، وفي الجيش تحول إلى مقاتل محترف، وضعاً نفسه في خدمة وطنه، ومقدماً روحه لذود عنه، كما عمل في قوات الأمن العام لفترة من الزمن، وقد كان مرافقاً في حراسة سمو الأمير عبد الله الأول المؤسس، ويذكر أنه دخل مع جيش الإنقاذ العربي، الذي كان جله من الجيش العربي الأردني، إلى فلسطين للدفاع عنها عندما انسحبت القوات البريطانية منها، بعد أن مكنت القوات الصهيونية بالسلاح الحديث، وحصنت مواقعهم. وقد خدم إسماعيل في حيفا والهادار والكرمل، حيث خدم تحت إمرة القائد نديم السمان، وقد عرف إسماعيل بشجاعته وقدراته العالية في القتال.

لقد شكل إسماعيل عريضة، حالة فريدة في التاريخ الاجتماعي والنضالي في الأردن، وتحرك في القرى والبوادي والمدن، وقاتل على جبهات الثورات العربية في المنطقة، كما عمل على جمع الأموال والأسلحة وتهريبها للثوار في سوريا، عن طريق النعيمات وسكان منطقة الأزرق، وكان ينسق عمله هذا مع عدد من الزعامات المحلية كالشيخ حديثة الخريشة والشيخ خلف النصير وغيرهم، وكذلك ساعد في فلسطين، حيث رافق الشيخ عز الدين القسام وعبد الرحيم محمود، والكثير من الثوار، وفي الجيش الأردني، خدم بإخلاص وتفانٍ حتى أحيل على التقاعد في مطلع السبعينيات، وقد أقام في جبل الجوفة في عمان، وعاش بعد ذلك بصمت، حتى ألم به مرض أدى إلى وفاته عام 1988، عن عمر ناهز السادسة والثمانين عاماً، بعد أن عاش حياة حافلة بالعمل النضالي والوطني، ولم ينتظر ثمناً ولم يسعى لشكر، هادفاً إلى نصرة قضايا أمته والذود عن وطنه وتحقيق حياة أفضل للأجيال القادمة. 

الأيكونومس أيوب الفاخوري

|0 التعليقات
الأيكونومس أيوب الفاخوري

ولد الأيكونومس أيوب الفاخوري، في مدينة السلط عام 1866 كما يذكر ذلك الدكتور هاني العمد، الذي يورد أيضاً رواية أخرى، تفيد إلى احتمالية أن تكون ولادته قبل ذلك في عام 1857، وكانت المنطقة في النصف الثاني من التاسع عشر، ترزح تحت ثقل عقود من الإهمال والتهميش، وهو ما انعكس على البلاد والأهالي، وعلى أحوالهم الاقتصادية والتعليمية، وكان والده الشيخ شوباش الفاخوري، شيخ عشيرة الفاخوري، ومن أبرز شيوخ عشائر السلط العريقة، حيث تذكر المصادر التاريخية، أن عشيرة الفاخوري قدمت من لبنان قبل (350) عاماً، وأقاموا في السلط وأصبحوا من عشائرها المعروفة.

الناظر عميقاً في تاريخ الأردن قديماً وحديثاً، يلحظ بما لا مجال للشك فيه، أن هذه الأرض بأهلها وحضارتها المتواصلة، كانت على الدوام مثالاً مشرقاً للتسامح والتقبل، مما جعلها موطناً آمناً لمختلف الطوائف والأعراق، في نسيج اجتماعي فريد في وحدته وانسجامه، كان دائماً موضع قوته ومصدر بقائه وتمتعه بميزات خاصة أبقته في متناول المستقبل الناجح.

 ترسخت هذه السمات بشكل واضح، مع وصول الإسلام لبلاد الشام، التي كانت وحدة سياسية واجتماعية واحدة، وبالتالي كانت هذه البلاد شرق المتوسط، بفضل حضارتها العميقة، مكاناً للتواصل الإنساني بين الإمبراطوريات العظيمة والمتناقضة فكراً وبنية اجتماعية، وعلى صلة بالجزيرة العربية وثقافتها الغنية، كما أفادت المنطقة من وقوعها على طريق التجارة العالمية، الممتدة بين الصين وبين أوروبا مروراً بالأردن، وبعدد من مدن وموانئ بلاد الشام، ولا شك أن هذا التمازج الكبير، الذي راكمت عليه إفرازات طريق الحج الشامي، والهجرات التاريخية الحادثة بين مرحلة وأخرى، أدت جميعها لتهيئة الأردن ليكون أنموذجاً فريداً، بالوحدة الوطنية والتسامح الدين الحقيقي.

لم تكن العشائر المسيحية الأردنية على مر التاريخ، تتحرك كأقلية دينية، بل كانت شريكاً حقيقياً في السلم والحرب والتنمية، حيث كانت ولا زالت فاعلة في الحضارة والثقافة الإسلامية، ولم تتراجع عن دورها المؤثر رغم تقلب المراحل، وما تعرضت له المنطقة من احتلالات واستعمار، ومحاولات خارجية وداخلية لزعزعة أركان هذا التآلف الصلب، فبالإضافة للدور الوطني المشهود، الذي اضطلع به أبناء العشائر المسيحية، فقد تميزوا بدورهم العروبي القومي، فقد كان عدد من المثقفين المسيحيين، من أبرز قادة الفكر القومي المعاصر، ومن أفضل منظري هذا الفكر ونشره، والذي كان له دور في تحرير البلاد العربية، وسعيها المستمر للاستقلال والبحث عن سبل الحياة الأفضل، في السياق ذاته برزت شخصية الخوري أيوب الفاخوري، الذي لعب دوراً محورياً على المستويين الوطني والقومي، في فترة بالغة التعقيد والحساسية، وهي الفترة التي نتج عنها تأسيس الدولة الأردنية، ومقاومتها لمؤامرات داخلية وخارجية عديدة.

ولد الأيكونومس أيوب الفاخوري، في مدينة السلط عام 1866 كما يذكر ذلك الدكتور هاني العمد، الذي يورد أيضاً رواية أخرى، تفيد إلى احتمالية أن تكون ولادته قبل ذلك في عام 1857، وكانت المنطقة في النصف الثاني من التاسع عشر، ترزح تحت ثقل عقود من الإهمال والتهميش، وهو ما انعكس على البلاد والأهالي، وعلى أحوالهم الاقتصادية والتعليمية، وكان والده الشيخ شوباش الفاخوري، شيخ عشيرة الفاخوري، ومن أبرز شيوخ عشائر السلط العريقة، حيث تذكر المصادر التاريخية، أن عشيرة الفاخوري قدمت من لبنان قبل (350) عاماً، وأقاموا في السلط وأصبحوا من عشائرها المعروفة. وقد كان لوالده له مكانة اجتماعية كبيرة، كما حسب حسابه رجال الحكم العثماني، نظراً لمكانته وكلمته المسموعة بين المسلمين والمسيحيين، وحيث أندمج المسيحيون والمسلمون في بنية اجتماعية غنية ومتماسكة، ويتشاركون في كل شيء، وكان أن عمل الشيخ شوباش على تربية أبنه أيوب على ركائز هذه الثقافة الغنية، وهيئه بشكل جيد لمواصلة دوره في خدمة وطنه وأمته ودينه، فبعد أن تلقى تعليماً أولياً في السلط، لا شك أن والده عمل كما عادة كثير من أعيان شرقي الأردن، بأن يرسلون أبناءهم إلى القدس، من أجل إكمال دراستهم، في ظل غياب المدارس الثانوية، ولقرب المسافة بين السلط والقدس ونابلس، وهذه الدراسة فتحت الطريق أمامه ليتعمق في دراسة الدين المسيحي ضمن طائفة الروم الأرثوذكس، ومن ثم يدرس اللاهوت، الذي رسم طريق حياته فيما بعد.

دخل أيوب الفاخوري سلك رجال الدين المسيحي في وقت مبكر، فكان ناشطاً كرجل دين متنور، فتحرك اجتماعياً بين جميع الأوساط، ووسع نطاق علاقاته بين ضفتي النهر، بين رجالات الدولة من مسلمين ومسيحيين، فكان رجل دين مسيحي بثقافة إسلامية منفتحة، وكان يتحرك بين الأردن وفلسطين بشكل دوري، وقد أهله كل ذلك بالإضافة اجتهاده الديني، إلى أن رّسم خورياً في السلك الكهنوتي عام 1905، وبذلك أصبح خورياً لطائفة الروم الأرثوذكس، فيكون بذلك واحداً من أبرز رجالات الدين المسيحي في الأردن، حتى أنه مؤسساً ضمن طائفته، فقد برز دوره بشكل ملحوظ، من خلال جهوده في بناء كنيسة الروم الأرثوذكس في مدينة السلط، وهو العمل الذي تعاضد فيه أبناء السلط جميعاً، والذي ترك أثره العميق في نفوس أبناء السلط، وهي أحداث تكشف عن بنية المجتمع الأردني الحقيقية.
إلى جانب دوره كرجل دين، عمل الخوري أيوب الفاخوري، عضواً في مجلس بلدية السلط في عهد الحكم العثماني، فنهض بذلك بعمل مدني لخدمة أبناء المدينة، والقيام على حوائجهم، وهذا مهمة قربته أكثر من الناس، ومن مختلف الشرائح، كما حافظ خلاله على إرث والده، الذي كان يقوم بدور اجتماعي وإصلاحي مشهود ومؤثر، وبعد خدمته في البلدية بشكل ناجح، وفي وأواخر العهد العثماني عاد الخوري أيوب الفاخوري إلى القدس وأقام هناك عدداً من السنوات، يقوم خلالها بعمله كرجل دين، يتمتع بثقافة عالية، ولم تنقطع زياراته للسلط في هذه الفترة. لكنه عاد إلى مدينته السلط بعد خروج العثمانيين، نتيجة لنجاح الثورة العربية الكبرى، وقيام الحكومة العربية في دمشق، والمناداة بالأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا الطبيعية، في فترة حرجة من تاريخ المنطقة.

بعد سقوط الحكومة العربية في دمشق على يد الفرنسيين، عانت المنطقة من فراغ سياسي وإداري، فتشكلت الحكومات المحلية، فقد شكل أبناء البلقاء حكومة إدارة محلية، كانت تحت اسم حكومة البلقاء العربية، ضمت السلط وعمان ومادبا، وبادرت هذه الحكومة بإجراء انتخابات لمجلس شورى، ليراقب عمل الحكومة، وكان أن فاز بعضوية هذا المجلس الخوري أيوب الفاخوري ممثلاً عن مسيحي السلط مع بخيت الإبراهيم، وعن مسيحيي مادبا فاز الشيخ إبراهيم الشويحات، بالإضافة لعدد من الشيوخ والوجهاء من أمثال: الشيخ ماجد العدوان، شمس الدين سامي، سعيد المفتي، علي سيدو الكردي، الشيخ إسماعيل السالم العطيات، الشيخ سيعد الصليبي، الشيخ نمر الحمود العربيات، والشيخ محمد الحسين العواملة، وهذا دل على التوجهات الديمقراطية المبكرة عند أبناء الأردن.

 غير أن قلة الموارد والخبرات الإدارية، بالإضافة إلى الأطماع البريطانية، هي عوامل لم تمنح فرصة النجاح لهذه الحكومة أو غيرها من الحكومات المحلية في شرق الأردن، فانضوت جميعها تحت قيادة الأمير عبد الله الأول ابن الحسين، الذي وصل عمان قادماً من معان، وأعلن قيام إمارة شرقي الأردن، التي لم يكن لها من إمكانيات تميزها، وتشد من ساعدها غير عزم رجالاتها، وارتباطهم الوثيق بالقضايا العربية المصيرية.

لقد سعى الأمير عبد الله الأول خلال مرحلة التأسيس الأولى، إلى الإفادة من إمكانيات أبناء الأردن، خاصة المتعلمين منهم، مع علمنا أن التعليم الثانوي كان نادراً، والجامعي يكاد لا يكون موجوداً، لذا فقد عمل الأمير المؤسس، على تعيين الخوري أيوب كأول رئيس لطائفة الروم الأرثوذكس، وبذلك حصل على لقب الأيكونومس، وبهذه الصفة أصبح وكيلاً للبطريرك في الأردن، ومن المناصب المهمة التي أسندت إليه بصفته ولقبه الديني، منصب رئيس محكمة الكنائس، فكان متعدد المناصب الدينية، وصاحب المكانة الرفيعة من أبناء الطائفة من العشائر المسيحية، وقد عززت هذه المهام والمراكز من مكانته بين الناس، فكان قريباً من البسطاء والفقراء، ومحسوباً على الوجهاء ورجالات الوطن، الذين تحولوا مع الأيام رموزاً وطنية كبيرة.

لم يقف الخوري أيوب الفاخوري عند حدود نشاطه وواجباته الدينية، بل كان من مؤسسي الفكر السياسي الأردني، ومن الذين كان لهم الريادة في تأسيس الأحزاب السياسية الأردنية، هادفاً إلى المساهمة في بناء مؤسسات الوطن، والذود عنه بالنضال السياسي، من أجل استقلاله وتحقيق تنمية شاملة لأبنائه في المستقبل المنظور والبعيد، فشارك بمعظم الندوات والمؤتمرات السياسية، وكان من مؤسسي حزب اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعب الأردني العام عام 1933، ومن أدواره المشهودة دوره في بناء مدرسة السلط الثانوية، لتكون أول مدرسة ثانوية في الأردن. وبقي الخوري أيوب الفاخوري من أبرز رجال الدين المسيحي، عاملاً بنشاط في كل المجالات حتى وفاته عام1966، بعد عمر طويل ناهز المئة عام، وقد خرج أهالي السلط ووفود من مدن الأردن في وداع فقيد الأردن الكبير.