‏إظهار الرسائل ذات التسميات من رجالات معان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من رجالات معان. إظهار كافة الرسائل

صورة من معان في الاربعينيات امام فندق بترا

|0 التعليقات

صورة لمدينة معان قديما في الاربعينيات من أمام فندق بترا

كاسب صفوق الجازي ... هيبة الأبطال و حدة الصقر

|0 التعليقات
كاسب الجازي
لحضوره هيبة الأبطال، ولنظرته حدة الصقر، يحمل في ذاكرته قصص البادية وإيقاع الصحراء، جاعلاً من طفولته الصعبة بوابته الواسعة لولوج معارج الحياة، بما فيها من متاعب وعقبات وصعاب، فكان دائماً عالي الهمة، وثق بالمستقبل ثقته بإيمانه الراسخ، ناظراً إلى الأرض الأردنية باعتبارها بوابة الأمة والقلعة الحصينة ضد الطامعين بالعرب وخيراتهم، وقد سعى طوال حياته العامرة بالمنجزات والمواجهات الحاسمة، من أجل الذود عن هذا الحمى، وحفظه للأجيال القادمة، وهو هاجس حمله الأردنيون جيلاً بعد جيل.

 أحب الخدمة العسكرية منذ نعومة أظفاره، ورغب بأن يصبح جندياً قبل الأوان وكأنه يسابق الزمن، فلقد ارتبطت العسكرية بالفروسية لدى القبائل البدوية، لذا أقبلوا على الجيش الأردني وتميزوا فيه جنداً وقادة، وسطروا على خطوط النار وفي ساحات الوغى أروع صور البطولة والفداء، فرووا بدمائهم أسوار القدس، وكانوا في طليعة مواكب الشهداء البررة.

كاسب صفوق الجازي نمر من نمور البادية، وقمر في فضاء الصحراء فاقع اللمعان، فهو ابن الظروف والبيئة القاسية، التي جعلت منه فارساً شديد المراس من فرسان القوات المسلحة الأردنية، ولم يكن أحد شهود العصر على أحداث حاسمة وحسب، بل كان مشاركاً فيها وحاضراً في منجزها. ولد كاسب الجازي على سيف الصحراء، حيث كانت ديار معان ومحيطها مضارب قبيلة الحويطات المؤثرة في التاريخي الأردني المعاصر، وتعد عشيرة الجازي أكبر عشائر هذه القبيلة العربية الممتدة عبر الزمان والمكان، فكانت ولادته في حدود عام 1928 أي بعيد تأسيس إمارة شرق الأردن بسنوات قليلة، وتعد منطقة « غدير أبو صفاه « القريبة من الجفر مسقط رأسه، حيث كانت هذه النواحي – الجفر والجرباء وغدير أبو صفاه والحميمة – من أبرز مناطق القبيلة، تتحرك فيها مضاربهم حسب فصول السنة وتعاقب المواسم، وقد شكلت هذه المناطق بالإضافة لمعان الفضاء الذي شكل مخزونه وبنى شخصيته، وشحذ الذاكرة العبقة بالأصالة التي لازمته طوال حياته.

تربى كاسب صفوق الجازي في بيئة جافة عانى الناس فيها من صعوبات العيش، وتنقل مع عشيرته بحثاً عن الماء والخصب، ونهل من والده وأهله صفات الشجاعة والكرم والإيثار، والتضحية بالغالي والنفيس صوناً للأرض والعرض، ولم تتوافر في مضارب العشيرة مدارس، غير أنه تلقى تعليماً أولياً فيما عرف بالكتّاب، على يد شيخ دين قدم من الطفيلة، كان يعلم الأطفال القراءة والكتابة والحساب وحفظ عددا من السور، وبعد أن كبر التحق بمدرسة جديدة فتح في منطقة الجفر، وتعلم فيها على يد الأستاذ محمد العسلي، وكان من بين رفاقه في المدرسة - كما يذكر ذلك الدكتور مهند مبيضين – اللواء صايل حمد الجازي وكايد ذيابات، وقد درس كاسب الجازي في هذه المدرسة حتى الصف الثالث الابتدائي، ولم تتح له فرصة إكمال دراسته في تلك المرحلة، فأنخرط في حياة القبيلة بعمر مبكرة.

ما إن بلغ كاسب الجازي عمر الثانية عشرة من عمره، حتى قرر مغادرة مضارب العشيرة والذهاب إلى منطقة المفرق، بحثاً عن فرصة عمل، يساعد فيها أهله ويعيل نفسه، وكان ذلك عام 1940، ليعمل بحفر الخنادق للجيش البريطاني، غير أن هذا العمل لم يرق له، فسعى إلى تحقيق حلمه من خلال الالتحاق بالجيش العربي – القوات المسلحة الأردنية – غير أن طلبه جوبه بالرفض وذلك لصغر سنه، لكنه لم يفقد الأمل انتظر الفرصة السانحة، فقد قام في عام 1943 بمقابلة كلوب باشا قائد الجيش، الذي أعجب بشخصيته وحماسته فجنده وأرسله للتدريب، وقد باشر التدريب في مدرسة التدريب العسكري في العبدلي، وكان على رأس هذه المدرسة في تلك الفترة الشريف محمد هاشم.

حقق كاسب الجازي تميزاً لافتاً في التدريب، وكان من الجنود المتفوقين، ونتيجة لما حققه من تميز تم تعيينه مدرباً عسكرياً للمشاة، السلاح الأبرز في تلك المرحلة، وقد ترك بصمته العسكرية على عدد كبير من الجنود، الذين دربهم وغرس فيهم صفات الانتماء والشجاعة والتفاني بالخدمة، وقد استمر يعمل مدرباً في مدرسة التدريب مدة سنتين، بعدها انتقل إلى سرايا المشاة، وكانت حينها من ثلاث كتائب وحاميتين، وقد خدم في السرية الأولى التي قادها النقيب فارس العبد، وكان مقرها مدينة رفح قبل أن تأتيها الأوامر لتنتقل إلى مدينة القدس، وبعدها نقلت إلى عمان ومنها تحركت إلى الشمال حيث تمركزت على جسر المجامع وجسر الشيخ حسين، وكان لها دور كبير في حماية تلك المنطقة.

وكان كاسب صفوق الجازي شاهداً ومشاركاً في بطولات الجيش الأردني في فلسطين خلال حرب الـ 48، خاصة في المعارك التي خاضها الجيش مع القوات الإسرائيلية في حي الشيخ جراح وباب الواد واللطرون، وقد حقق الجيش الأردن على قلة عدده وضعف تسليحه انتصارات كبيرة على الإسرائيليين، غير أن الهدنة التي فرضت على العرب غيرت الموازين، حيث تمكن الصهاينة من حشد قوات كبيرة جلبت من أوروبا وأسلحة ثقيلة متطورة، وكان من نتيجة ذلك أن خسر العرب الحرب، واحتفظ الجيش الأردني بالضفة الغربية والقدس، بعد أن سطر صفحات من البطولة الأسطورية، واستشهد عدد من رفاقه وأصدقائه على أسوار القدس منهم: مهاوش مذيب وعايض الجازي وساري عوض الدراوشة، وفارس محمد العبد وسلطان عليق العودات الجازي ومن أبناء عمومته سالم عودة الجازي ومدلول راعي الحصان الجازي.

واكب الجازي تطوير الجيش الأردني بعد حرب الـ 48، والتوسع بتشكيل الكتاب والتسليح قد المستطاع، وقد رقي إلى رتبة رقيب، ونظراً لسمعته العسكرية الطيبة وشجاعته وتفوقه على صعيد التخطيط وفي الميدان، فقد تم تنسيبه من قبل قائد الكتيبة ضمن دورة المرشحين الأولى، وقد اجتاز الدورة بكفاءة كبيرة، والتحق بعد أن أنهى الدورة عام 1951 بكتيبة الحسين الثانية، التي تمركزت في كفار عصيون قرب الخليل، وقد استمر بتطوير قدراته العلمية والعملية بجد كبير، ففي عام 1955 أرسل في دورة لتعلم اللغة الإنجليزية في بريطانيا، لكنه أضطر لقطع دورته بعد عام واحد والعودة، نتيجة تداعيات قرار تعريب قيادة الجيش الأردني، وتوتر العلاقة العسكرية مع بريطانيا.

خدم بعدها في الكتيبة الثانية في القصور الملكية، وتم إيفاده في دورة تدريبية عام 1958 إلى العراق، لكنه عاد إلى الأردن قبيل الانقلاب العسكري الدموي في العراق، وخاض كاسب الجازي حرب الـ 67 مع رفاق السلاح في الجيش الأردني، حيث كان برتبة مقدم وقائد كتيبة في لواء الحسين بن علي في العقبة، وقد قام المغفور له الملك الحسين بن طلال بالتوقيع على وثيقة القيادة العربية المشتركة في القاهرة عشية الحرب، وتعيين الفريق عبد المنعم رياض – المصري – قائداً للجبهة الأردنية، فوجد الأخير الخطط العسكرية معدة سلفاً ومركزها مدينة القدس، متضمنة الدفاع حتى آخر جندي ضد أي هجوم يستهدف القدس، وقد تضمنت الخطة ضرب تل أبيب إذا لزم الأمر، غير أن النكسة وقعت سريعاً بسبب عدم قدرة سلاح الطيران المصري تغطية الأجواء كما كان مخططاً، بعد أن دمر من قبل الإسرائيليين، فخسر العرب الحرب مرة أخرى، وتركت الخسارة مرارتها لدى العسكريين والمدنيين.

تم إعادة تنظيم الجيش من جديد فتشكلت فرقتان الأولى بقيادة مشهور الجازي والثانية بقيادة عاطف المجالي، وأصبح كاسب قائداً للواء الأميرة عالية، وكان برتبة مقدم، وعين قائداً لمحور عمليات وادي شعيب وكان محور العارضة بقيادة قاسم المعايطة وكذلك محور سويمة بقيادة بهجت المحيسن، فكان أحد أبرز قادة معركة الكرامة الخالدة 1968، التي حقق الجيش الأردني من خلالها الانتصار العربي الأول على الجيش الإسرائيلي وكسر أسطورته، وأعاد الثقة لدي الجيش والعرب، بعد ذلك أصبح قائداً للواء الحرس الملكي، وبعد أن تم ترفيعه إلى رتبة عقيد عين قائداً للفرقة الثالثة الملكية، وقد عهد إليه بتشكل الفرقة الرابعة الملكية. هذا وقد عين في أحداث أيلول 1970 حاكماً عسكرياً لمدينة عمان. حيث أحيل على التقاعد عام 1977 وهو برتبة لواء.

عين عضواً في مجلس الأعيان الأردني شباط 1977 واستمر عضواً في هذا المجلس عدة دورات برلمانية خلال الأعوام 2000 و2001 و2003. ولكاسب الجازي من الأبناء: ممدوح وعبد العزيز ويوسف ومحمد وصفوق وزهرة وإيمان وسناء، بقي الفارس كاسب صفوق الجازي قابضاً على عهد الولاء والإخلاص للوطن والقيادة حتى توفاه الله في نهاية شهر حزيران عام 2010.

عمر سليمان آل الحصان .. من رجالات مراحل تأسيس الاردن

|0 التعليقات


عمر باشا آل الحصان اسم لامع في فضاء الذاكرة الوطنية، التي تشكلت من فسيفسائها من نجوم مضيئة من رجالات الوطن الأوفياء، الذين أخذوا على عاتقهم تحمل أعباء كبيرة، والنهوض بمسؤوليات مراحل صعبة من عمر الدولة الأردنية، وكانوا السفينة التي خاضت عباب البحر الهائج، ووصلت إلي بر الآمان بفضل ربابنتها من قادة آل هاشم.

 لقد أسهم التناغم الكبير بين الرعية والقائد، في تمكين الوطن من تجاوز مصاعب متلاحقة وعقبات كأداء محلية وعربية ودولية، لتكون الأردن قلعة حصينة عصية على المؤامرات وكيد الكائدين. لذا كان عمر باشا آل الحصان من ممن تحدوا الواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب، وكرسوا حياتهم خدمة للناس والوطن، فاتحين الطريق على مصراعيه للأجيال القادمة من أجل الولوج إلى المستقبل، بخطى ثابتة، وبثقة أهلتهم للانطلاق قدما بالتنمية والبناء والتطوير.

كانت معان كما كانت على الدوام بوابة فتح ومنطلق أحداث كبيرة، ورحماً ولوداً لا يكف عن رفد الوطن بالرجال البناة الأشداء، فهي منذ فجر التاريخ بوابة بلاد الشام الجنوبية، ومفتاح حضارات تعاقبت على المنطقة، وسجلاً تاريخياً لازال كثير من كنوزه الحضارية تنتظر البحث والكشف والتحليل، فيكفي أن مدينة معان كانت بؤرة الدولة الأردنية الحديثة، حيث وضعت فيها اللبنة الأولى لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة برمتها، فهذه المدينة في يومنا الحاضر نجدها حاضرة في الفعل والإنجاز، لتكون كما قدر لها في كل عصر جوهرة لامعة على حافة الصحراء، وهمزة وصل تزداد أهميتها يوماً بعد يوم، مؤسسة على ماضٍ عريق، متطلعة في الوقت نفسه نحو مستقبل مشرق للوطن والأمة.

ولد عمر باشا سليمان مطر آل الحصان في مدينة معان عام 1889، ليواكب منذ طفولته المرحلة الصعبة التي عاشتها البلاد والمنطقة العربية، خاصة بعد تردي أحوال الدولة العثمانية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتوجهات حكّام الباب العالي الجدد العنصرية، وعملها على بناء نظام حكم دكتاتوري يقوم على التتريك وتهميش القوميات غير العربية، والتنكيل بهم وفرض مزيد من الضرائب الجائرة والتجنيد الإجباري، وما عن ذلك كله من مشاعر سخط وغضب لدى العرب، أدت إلى انتفاضات وثورات، توجت بقيام الثورة العربية الكبرى، وكانت مدينة معان التي أصبحت أهم محطات سكة حديد الحجاز، من أكثر المناطق تأثراً بما آل إليه حال المنطقة تحت حكم الأتراك.

التحق عمر آل الحصان بالمدرسة في معان التي تطبق المناهج التركية، وبرز سريعاً كأحد الطلبة الأذكياء، الذين تميزوا بالتحصيل الدراسي المرتفع رغم صعوبة الأحوال الاقتصادية في تلك الفترة، وتمكن من مواصلة تعليمه حتى تخرج من التعليم العالي في العهد التركي، وقد أهله ما حصله من تعليم عالٍ نسبياً في تلك الفترة، لينطلق نحو الحياة العملية بكل قوة وحماس، حيث بدأ عمله في مجال الوظيفة الحكومية، عندما عين بوظيفة كاتب في دار الحكومة العثمانية في مدينة معان، التي لازالت تأن تحت السلطة التركية الحديدية.

 خلال وظيفته هذه واكب عمر باشا آل الحصان الأحداث التي مهدت الطريق لقيام الثورة العربية الكبرى، ومعارك جيش الثورة في محيط معان، عندما توافدت عشائر جنوب الأردن للانخراط في جيش الثورة، مما أسهم في تحقيق انتصارات متلاحقة وحاسمة على الأتراك، وبعد قدوم الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان على رأس قوة عسكرية، كان عمر آل الحصان من المؤيدين والمؤازرين لسعى الأمير لتأسيس دولة عربية في شرق الأردن تكون قاعدة لتحرير البلاد العربية من الاستعمار الغربي، بعد أن توافد عدد كبير من أحرار العرب لتأييد توجهات الأمير عبد الله بن الحسين.

بعد قيام الدولة الأردنية عام 1921، لعب عمر آل الحصان دوراً ملموساً في الإدارة المحلية، ضمن مؤسسات الدولة الناشئة، فقد نقل إلى منصب رئيس النظار في مدينة معان عام 1924، لينهض بجزء من أعباء التأسيس الأولى الصعبة، وبعد ما حققه من نجاح لافت، وبروز اسمه بشكل مشهود، تم تعيينه في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي بمنصب قائم مقام مدينة جرش، وهو عمل جعله على تواصل مباشر مع الناس، فقد تكمن من بناء علاقات وثيقة مع الأهالي ونال ثقتهم، ونقل بعد فترة إلى مدينة مادبا ليعمل قائم مقام، وهو منصب في الحكم المحلي كان من المناصب الرفيعة في تلك الفترة.

لقد تمكن عمر آل الحصان من تحقيق سمعة طيبة في عمله، نظراً لنجاحه في المواقع التي شغلها، فقد عرف بجديته وذكائه وإخلاصه وتفانيه في العمل، فكان من الطبيعي أن يحصد ثمار جهوده ونجاحه، فما كاد يدخل عقد الأربعينيات الماضي، حتى تم تعيينه متصرفاً لعدد من المدن الرئيسة في الإمارة، حيث عين متصرفاً للواء السلط، وهي واحدة من أهم الحواضر الأردنية، وأكثرها قرباً من العاصمة عمان، وتمكن من حل كثير من القضايا والمشاكل الاجتماعية والقانونية، بفضل صلاته القوية مع ناس ورجالات اللواء، ولما تحل به من أخلاق نبيلة وتوخيه للعدل والمصداقية. بعد ذلك نقل إلى حاضرة الكرك أكبر مدن الجنوب، ليكون متصرفاً للواء الكرك، وواصل مسيرته الناجحة كأحد أهم رجال الحكم المحلي في تلك المرحلة، حيث عمل على تمكين مؤسسات الدولة الفتية لتقوم بعملها في خدمة المواطنين، وتقديمه صورة إيجابية عن رجال الحكم المحلي، وتفعيل اللامركزية بما فيه مصلحة الأهالي والدولة.

بعد خروج البريطانيين من فلسطين، والأحداث العسكرية والسياسية التي تبعت ذلك، وما نتج عنه من إحكام اليهود سيطرتهم على الجزء الأكبر من البلاد، بعد نكبة عام 1948، وانضمام الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية، عين عمر آل الحصان حاكماً عسكرياً عاماً في الضفة الغربية، بموجب قانون الإدارة العامة، ليكون من مهامه الإشراف على الشؤون الإدارية في الضفة الغربية عام 1949، في ظل ظروف قاسية وشائكة عاشتها البلاد والمنطقة في تلك الآونة، وكانت هذه المسؤولية محطة نجاح جديدة تضاف إلى سجل نجاحات عمر باشا آل الحصان، الذي لم يعتد التميز وحسب بل أتقنه أيضاً.

عين عمر باشا آل الحصان أميناً لمدينة عمان في عام 1955، وهو منصب مهم قدم له خبرات جديدة، فقد أولى تطوير الخدمات في مدينة عمان وتحديث البني التحية جل عناية، وقد ترك بصمته في شوارع وميادين العاصمة، في فترة شهدت فيها المدينة زيادة مضطردة في سكانها مما شكل ضغطاً كبيراً على مواردها والبنية التحية فيها، وواصل مسيرته اللافتة، فقد عين عضواً في مجلس الاتحاد الأردني العراقي – الاتحاد الهاشمي – عام 1958، غير أن هذا الاتحاد لم يكتب له النجاح بسبب الانقلاب العسكري الدموي في العراق، والذي ذهب ضحيته عدد من رجال الدولة الأردنية وعلى رأسهم دولة رئيس الوزراء حينها إبراهيم هاشم.

حمل عمر آل الحصان حقائب وزارية مختلفة في فترات متعددة، ففي عام 1947 أصبح وزيراً للمواصلات والزراعة والتجارة، وبعد أن تمكن من تحمل أمانة هذه المسؤولية المتعددة، عين عام 1950 وزيراً للدفاع، في مرحلة اشتداد المواجهات شبه اليومية مع الجيش الإسرائيلي على خط المواجهة في الضفة الغربية وباقي الحدود الغربية، أما في عام 1955 فقد أصبح وزيراً للداخلية، وفي العام التالي أسندت إليه حقيبتا وزارة الداخلية والدفاع، وهذه الوزارات المهمة ذات الصفة السيادية، قادها باقتدار رغم الظروف العامة والخاصة التي عانت منها البلاد في خمسينيات القرن الماضي. خاض آل الحصان العمل التشريعي عندما أصبح عضواً في مجلس النواب عام 1950، وفي عام 1958 أصبح عضواً في مجلس الأعيان الأردني، وقد احتفظ بعضويته في مجلس الأعيان في ست دورات متتالية، أي حتى وفاته. كان لعمر آل الحصان نشاط حزبي ملحوظ فقد كان عضو الهيئة التأسيسية لحزب « الأمة « الذي ترأسه دولة الراحل سمير الرفاعي عام 1954، وقد عرف آل الحصان بنزاهته وحرصه على المال العام، وتقديمه المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وقد نال خلال حياته عدداً من الأوسمة الرفيعة، حيث نال وسام النهضة الأردني من الدرجة الأولى، ووسام الاستقلال الأردني من الدرجة والأولى، ووسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى، ومن العراق نال وسام الرافدين ومن سوريا نال وسام الاستحقاق السوري بدرجة ممتاز.

عمر باشا سليمان مطر آل الحصان

|0 التعليقات


عمر باشا آل الحصان اسم لامع في فضاء الذاكرة الوطنية، التي تشكلت من فسيفسائها من نجوم مضيئة من رجالات الوطن الأوفياء، الذين أخذوا على عاتقهم تحمل أعباء كبيرة، والنهوض بمسؤوليات مراحل صعبة من عمر الدولة الأردنية، وكانوا السفينة التي خاضت عباب البحر الهائج، ووصلت إلي بر الآمان بفضل ربابنتها من قادة آل هاشم.

 لقد أسهم التناغم الكبير بين الرعية والقائد، في تمكين الوطن من تجاوز مصاعب متلاحقة وعقبات كأداء محلية وعربية ودولية، لتكون الأردن قلعة حصينة عصية على المؤامرات وكيد الكائدين. لذا كان عمر باشا آل الحصان من ممن تحدوا الواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب، وكرسوا حياتهم خدمة للناس والوطن، فاتحين الطريق على مصراعيه للأجيال القادمة من أجل الولوج إلى المستقبل، بخطى ثابتة، وبثقة أهلتهم للانطلاق قدما بالتنمية والبناء والتطوير.

كانت معان كما كانت على الدوام بوابة فتح ومنطلق أحداث كبيرة، ورحماً ولوداً لا يكف عن رفد الوطن بالرجال البناة الأشداء، فهي منذ فجر التاريخ بوابة بلاد الشام الجنوبية، ومفتاح حضارات تعاقبت على المنطقة، وسجلاً تاريخياً لازال كثير من كنوزه الحضارية تنتظر البحث والكشف والتحليل، فيكفي أن مدينة معان كانت بؤرة الدولة الأردنية الحديثة، حيث وضعت فيها اللبنة الأولى لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة برمتها، فهذه المدينة في يومنا الحاضر نجدها حاضرة في الفعل والإنجاز، لتكون كما قدر لها في كل عصر جوهرة لامعة على حافة الصحراء، وهمزة وصل تزداد أهميتها يوماً بعد يوم، مؤسسة على ماضٍ عريق، متطلعة في الوقت نفسه نحو مستقبل مشرق للوطن والأمة.

ولد عمر باشا سليمان مطر آل الحصان في مدينة معان عام 1889، ليواكب منذ طفولته المرحلة الصعبة التي عاشتها البلاد والمنطقة العربية، خاصة بعد تردي أحوال الدولة العثمانية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتوجهات حكّام الباب العالي الجدد العنصرية، وعملها على بناء نظام حكم دكتاتوري يقوم على التتريك وتهميش القوميات غير العربية، والتنكيل بهم وفرض مزيد من الضرائب الجائرة والتجنيد الإجباري، وما عن ذلك كله من مشاعر سخط وغضب لدى العرب، أدت إلى انتفاضات وثورات، توجت بقيام الثورة العربية الكبرى، وكانت مدينة معان التي أصبحت أهم محطات سكة حديد الحجاز، من أكثر المناطق تأثراً بما آل إليه حال المنطقة تحت حكم الأتراك.

التحق عمر آل الحصان بالمدرسة في معان التي تطبق المناهج التركية، وبرز سريعاً كأحد الطلبة الأذكياء، الذين تميزوا بالتحصيل الدراسي المرتفع رغم صعوبة الأحوال الاقتصادية في تلك الفترة، وتمكن من مواصلة تعليمه حتى تخرج من التعليم العالي في العهد التركي، وقد أهله ما حصله من تعليم عالٍ نسبياً في تلك الفترة، لينطلق نحو الحياة العملية بكل قوة وحماس، حيث بدأ عمله في مجال الوظيفة الحكومية، عندما عين بوظيفة كاتب في دار الحكومة العثمانية في مدينة معان، التي لازالت تأن تحت السلطة التركية الحديدية.

 خلال وظيفته هذه واكب عمر باشا آل الحصان الأحداث التي مهدت الطريق لقيام الثورة العربية الكبرى، ومعارك جيش الثورة في محيط معان، عندما توافدت عشائر جنوب الأردن للانخراط في جيش الثورة، مما أسهم في تحقيق انتصارات متلاحقة وحاسمة على الأتراك، وبعد قدوم الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان على رأس قوة عسكرية، كان عمر آل الحصان من المؤيدين والمؤازرين لسعى الأمير لتأسيس دولة عربية في شرق الأردن تكون قاعدة لتحرير البلاد العربية من الاستعمار الغربي، بعد أن توافد عدد كبير من أحرار العرب لتأييد توجهات الأمير عبد الله بن الحسين.

بعد قيام الدولة الأردنية عام 1921، لعب عمر آل الحصان دوراً ملموساً في الإدارة المحلية، ضمن مؤسسات الدولة الناشئة، فقد نقل إلى منصب رئيس النظار في مدينة معان عام 1924، لينهض بجزء من أعباء التأسيس الأولى الصعبة، وبعد ما حققه من نجاح لافت، وبروز اسمه بشكل مشهود، تم تعيينه في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي بمنصب قائم مقام مدينة جرش، وهو عمل جعله على تواصل مباشر مع الناس، فقد تكمن من بناء علاقات وثيقة مع الأهالي ونال ثقتهم، ونقل بعد فترة إلى مدينة مادبا ليعمل قائم مقام، وهو منصب في الحكم المحلي كان من المناصب الرفيعة في تلك الفترة.

لقد تمكن عمر آل الحصان من تحقيق سمعة طيبة في عمله، نظراً لنجاحه في المواقع التي شغلها، فقد عرف بجديته وذكائه وإخلاصه وتفانيه في العمل، فكان من الطبيعي أن يحصد ثمار جهوده ونجاحه، فما كاد يدخل عقد الأربعينيات الماضي، حتى تم تعيينه متصرفاً لعدد من المدن الرئيسة في الإمارة، حيث عين متصرفاً للواء السلط، وهي واحدة من أهم الحواضر الأردنية، وأكثرها قرباً من العاصمة عمان، وتمكن من حل كثير من القضايا والمشاكل الاجتماعية والقانونية، بفضل صلاته القوية مع ناس ورجالات اللواء، ولما تحل به من أخلاق نبيلة وتوخيه للعدل والمصداقية. بعد ذلك نقل إلى حاضرة الكرك أكبر مدن الجنوب، ليكون متصرفاً للواء الكرك، وواصل مسيرته الناجحة كأحد أهم رجال الحكم المحلي في تلك المرحلة، حيث عمل على تمكين مؤسسات الدولة الفتية لتقوم بعملها في خدمة المواطنين، وتقديمه صورة إيجابية عن رجال الحكم المحلي، وتفعيل اللامركزية بما فيه مصلحة الأهالي والدولة.

بعد خروج البريطانيين من فلسطين، والأحداث العسكرية والسياسية التي تبعت ذلك، وما نتج عنه من إحكام اليهود سيطرتهم على الجزء الأكبر من البلاد، بعد نكبة عام 1948، وانضمام الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية، عين عمر آل الحصان حاكماً عسكرياً عاماً في الضفة الغربية، بموجب قانون الإدارة العامة، ليكون من مهامه الإشراف على الشؤون الإدارية في الضفة الغربية عام 1949، في ظل ظروف قاسية وشائكة عاشتها البلاد والمنطقة في تلك الآونة، وكانت هذه المسؤولية محطة نجاح جديدة تضاف إلى سجل نجاحات عمر باشا آل الحصان، الذي لم يعتد التميز وحسب بل أتقنه أيضاً.

عين عمر باشا آل الحصان أميناً لمدينة عمان في عام 1955، وهو منصب مهم قدم له خبرات جديدة، فقد أولى تطوير الخدمات في مدينة عمان وتحديث البني التحية جل عناية، وقد ترك بصمته في شوارع وميادين العاصمة، في فترة شهدت فيها المدينة زيادة مضطردة في سكانها مما شكل ضغطاً كبيراً على مواردها والبنية التحية فيها، وواصل مسيرته اللافتة، فقد عين عضواً في مجلس الاتحاد الأردني العراقي – الاتحاد الهاشمي – عام 1958، غير أن هذا الاتحاد لم يكتب له النجاح بسبب الانقلاب العسكري الدموي في العراق، والذي ذهب ضحيته عدد من رجال الدولة الأردنية وعلى رأسهم دولة رئيس الوزراء حينها إبراهيم هاشم.

حمل عمر آل الحصان حقائب وزارية مختلفة في فترات متعددة، ففي عام 1947 أصبح وزيراً للمواصلات والزراعة والتجارة، وبعد أن تمكن من تحمل أمانة هذه المسؤولية المتعددة، عين عام 1950 وزيراً للدفاع، في مرحلة اشتداد المواجهات شبه اليومية مع الجيش الإسرائيلي على خط المواجهة في الضفة الغربية وباقي الحدود الغربية، أما في عام 1955 فقد أصبح وزيراً للداخلية، وفي العام التالي أسندت إليه حقيبتا وزارة الداخلية والدفاع، وهذه الوزارات المهمة ذات الصفة السيادية، قادها باقتدار رغم الظروف العامة والخاصة التي عانت منها البلاد في خمسينيات القرن الماضي. خاض آل الحصان العمل التشريعي عندما أصبح عضواً في مجلس النواب عام 1950، وفي عام 1958 أصبح عضواً في مجلس الأعيان الأردني، وقد احتفظ بعضويته في مجلس الأعيان في ست دورات متتالية، أي حتى وفاته. كان لعمر آل الحصان نشاط حزبي ملحوظ فقد كان عضو الهيئة التأسيسية لحزب « الأمة « الذي ترأسه دولة الراحل سمير الرفاعي عام 1954، وقد عرف آل الحصان بنزاهته وحرصه على المال العام، وتقديمه المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وقد نال خلال حياته عدداً من الأوسمة الرفيعة، حيث نال وسام النهضة الأردني من الدرجة الأولى، ووسام الاستقلال الأردني من الدرجة والأولى، ووسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى، ومن العراق نال وسام الرافدين ومن سوريا نال وسام الاستحقاق السوري بدرجة ممتاز. 

محمد أبو تايه الحويطات .. زعيم قبيلة ومناضل أصيل

|0 التعليقات
الشيخ محمد أبو تايه

تحتفظ البادية الأردنية بسجلها الخاص، حيث دونت الأحداث الجسام أسماء رجالات كبار، ورسمت ملامح شيوخ عظام، فأمتد ذكرهم امتداد الرمل، ورسخوا في الذاكرة الشعبية رسوخ الرواسي الشاهقة، فما زالت أحاديث الفرسان، والقصائد المسبوكة التي أرخت لشجاعتهم ووثقت لمنجزهم، تسامر أبناء البادية، وهم يتحلقون حول نار المساء المطعمة بنكهة القهوة العربية، والمحفوفة بأنين ربابة معتقة الأشجان. من بين كل ذلك يبزغ اسم الشيخ والفارس الأصيل محمد عودة أبو تايه، كواحد من رجالات المفاصل المهمة من تاريخ الأردن الحديث، وتاريخ المنطقة العربية، من شمال اليمن وحتى ما بعد مدينة حلب، ومن ضفاف الفورات إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، حيث خاض الشيخ محمد غمار المعارك، وأسهم في سير الأحداث الحاسمة، وكان من جيل البناة الكبار.

ولد الشيخ محمد أبو تايه بين صهوة حصان عربي، وسيف تركت عليه المواجهات الصحراوية والقومية بصماتها الخاصة، فهو سليل المعارك، فقد كان هو والقرن العشرين على موعد مؤكد، حيث ولد عام 1900، كما تجمع الروايات، وكانت الصحراء التي تحرك فيها البدو، حركة الرياح والرمل مسقط رأسه، فقد شكلت منطقة رم وامتدادها حتى الجفر، موطن حراك قبيلة الحويطات الشهيرة، وهى واحدة من أعرق القبائل في الأردن، التي تحركت على مدار عقود بين شمال الجزيرة العربية، وغرب العراق وشرق سوريا، وجنوب فلسطين، فكان لهم دور فاعل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في هذه المناطق، حتى نهضت رايات التحرر العربي، مع انطلاق الثورة العربية الكبرى.

نهل الشيخ الفارس محمد أبو تايه من مدرسة والده شيخ مشايخ عودة أبو تايه الحويطات، الذي يعد واحداً من فرسان الثورة العربية الكبرى، وقد ذاع صيته في البوادي العربية، حيث عرف بشدة بأسه، وشجاعته في القتال، وتحقيقه للانتصارات المتلاحقة، سواء في غزواته المتعددة، التي جاب خلالها مع قبيلته مناطق شاسعة، أو من خلال مشاركته المؤثرة في معارك الثورة العربية الكبرى، لذا عمل عودة أبو تايه على تعليم ابنه محمد الفروسية، واستخدام السيف والبندقية منذ صغره، حيث كان يرافق والده في غزواته وحروبه وهو لم يتجاوز سن العاشرة، حيث كان يلازمه في المعارك ويقاتل إلى جانبه، وقد جعلت منه هذه المخاضات محارباً شجاعاً، ومقاتلاً متمرساً منذ طفولته، فبالإضافة لوالده وأعمامه، كان أخواله من عشيرة الرمال من قبيلة شمر، قد تميزوا بالشجاعة والفروسية، وشدة البأس في القتال، ولم يكتف عودة أبو تايه في تربية ابنه، بتعليمه مهارات القتال، والجسارة في مواجهة الموت والمخاطر، بل علمه من خلال الممارسة والمرافقة، صفات شيوخ القبائل، فاكتسب الشيخ محمد بعمر مبكر، صفات الكرم والجود، وإغاثة المحتاج، وتلبية طلبات كل صاحب حاجة، والقيام على مصلحة العشيرة.

تربى الشيخ محمد على مدرسة الحياة، حيث يصبح صبية البدو رجالاً قبل سن البلوغ، عندما يتم إعدادهم للشدائد، وكان قد أخذ عن والده الزعامة والفروسية، واستقى من خلال ملازمته له متطلبات القيادة العشائرية، فكان يستمع للشعراء وحكايات فرسان الصحراء، ويتعلم الشعر وفصاحة اللسان، ويتقن مواجهة مشاكل الناس وحلها، من خلال القضاء العشائري، وإصلاح ذات البين، وقد رافق والده عودة أبو تايه، عند لقاءه للأمير فيصل بن الحسين في منطقة الوجه، وتلمس وهو في تلك السن، حاجة العرب للحرية وبناء مستقبلهم، وقد دفعه إدراكه المبكر والمدهش بالنسبة له، إلى الانضمام لجيش الثورة العربية، وتحت إمرة الأمير فيصل، كغيره من رجالات الحويطات والقبائل الأردنية الأخرى، وقد خاض الشيخ محمد معارك عديدة في الثورة العربية إلى جانب والده، وكان من أبرزها معركة العقبة، التي أسفرت عن تحريرها من قبضة الأتراك، وكان أن اعتبرت نقطة ارتكاز للثورة في انطلاقها نحو الشمال. 

واصل الشيخ محمد خوض المعارك العربية ضد الأتراك، حتى تمكن جيش الثورة من دخول دمشق، وكان المجاهد محمد أبو تايه يعاضد والده وأبناء عمومته، ودخل معهم إلى دمشق، كما كان له دور مشهود مع والده في مساندة سمو الأمير عبد الله الأول بن الحسين، في تأسيس إمارة شرق الأردن بدءا من استقباله في معان، حتى بدء تأسيس مؤسسات الدولة المختلفة، وبسط نفوذها على مناطق الإمارة من شمالها إلى جنوبها، حيث كان والده عودة أبو تايه مقرباً من سمو الأمير، الذي قدر عالياً الدور الذي قاما به في دعم الثورة، ومدها بالرجال وبما تيسر من وسائل الدعم، وجهودهما في مرحلة التأسيس الأولى، والتي أسهمت في التفاف القبائل والعشائر حول سمو الأمير ومؤسسات الدولة الناشئة.

تسلم الشيخ محمد أبو تايه زعامة قبيلة الحويطات، بعد وفاة والده شيخ المشايخ عودة أبو تايه عام 1924، وكان الشيخ الجديد فتياً قد خاض غمار المعارك، ونشأ على الفروسية الحقة، وفطر على الانتماء الوطني ببعده القومي، وقد وضع نفسه وقبيلته في خدمة القيادة، وحماية مقدرات الدولة الحديثة، فقربه أمير البلاد وكان من رجالات تلك المرحلة الذين قدموا النصح والمشورة، وكانوا قلعة من قلاع الوطن الحصينة، وقد زاره سمو الأمير عبد الله في الجفر، وكان على تواصل دائم معه، كما هي عادته مع زعماء وشيوخ ووجهاء العشائر في كل مكان على امتداد رقعة الوطن.

أصبح الشيخ محمد أبو تايه عضواً في مجلس الأعيان منذ تشكيله عام 1946، وقد حافظ على عضوية في مجلس الأعيان منذ هذا التاريخ وحتى وفاته، حيث كان محط الثقة، ورجل دولة من طراز رفيع، حيث كان له حضوره الخاص في مناقشات المجلس، وقد توطدت علقته مع النخب السياسية، وكان معاضداً لمؤسسات الحكم المحلي في محافظته، حيث لجأ إليه الحكام المحليون في حل كثير من القضايا التي تتعلق بمنطقته، وكانت له اسهماته الكبيرة في تنمية وتطوير منطقة الجنوب، وعمل طول حياته على تقديم الخدمات المختلفة لأبناء قبيلته ورعاية شؤونهم، وتحسين وقعهم المعيشي، من خلال مكانته وعلاقاته الطيبة مع المسؤولين في المحافظة أو في العاصمة عمان.

ونتيجة لمكانته وتقديراً لجهوده المتواصلة ولمكانته العشائرية والرسمية، فقد منحه الأمير عبد الله بن الحسين لقب « باشا « في مرحلة الإمارة.   و تمتع الشيخ محمد بسمعة طيبة تجاوزت حدود الوطن، إلى عدد كبير من القبائل العربية في الجزيرة العربية، وجنوب فلسطين وسوريا والعراق، وقد تبادل الزيارات مع زعماء هذه القبائل، ولعب دوراً في الصلح بينها، وإصلاح ذات البين، وكان يقوم بحل كثير من القضايا العشائرية والاجتماعية، دون الحاجة إلى مؤسسات الدولة، من مخافر أو محاكم، وهذا دور أكد على حضوره القوي بين الناس ومحبتهم له.

توفي الشيخ محمد أبو تايه عام 1987، وكان لخبر فقد أثر مدوي في طول البلاد وعرضها، حيث تردد صدى وفاته لدى القبائل العربية المحيطة، فتوافد المعزون من كل حدب وصوب، ونظراً لمكانته وقربه من المغفور له الملك الحسين بن طلال، أمر بدفنه في المقابر الملكية في عمان، وقد أم جلالته بيت العزاء لثلاثة أيام، ولا زال التاريخ يحفظ اسمه كزعيم قبيلة، ورجل دولة ومناضل عربي لم تلن قناته.

يوسف العظم .. شاعر الأقصى

|0 التعليقات
يوسف العظم

يعد يوسف العظم واحداً من أبرز أعلام الفكر الإسلامي، ومربياً فاضلاً جمع في شخصيته، أبعاداً متنوعة وعميقة، جعلت منه من رجالات المراحل الصعبة، فلقد أسهم في البناء السياسي والفكري والتربوي الأدبي في الأردن.

امتد أثر الراحل العظم   إلى عدد من الدول المجاورة، حيث كان لما حصله من علوم ومعارف، وما تمتع به من مواهب أدبية، وفصاحة لسان ودفء المعشر، دوراً في قربه من الناس، وسبباً في المكانة المرموقة التي حظي بها في مدينة معان، وعلى امتداد الوطن، بالإضافة إلى حضوره على الساحتين العربية والإسلامية، فلقد شكلت مراحل حياته المختلفة، انعكاساً للمراحل الاجتماعية والسياسية والفكرية التي مرت بها المنطقة العربية، منذ النصف الثاني من القرن الماضي.

ولد يوسف العظم في مدينة معان جنوب الأردن، التي كانت عبر التاريخ محطة لأحداث كبيرة، كونها بوابة شبه الجزيرة العربية الشمالية، وأبرز محطات طريق الحج الإسلامي، وكان لها مكانة تاريخية وسياسية حديثة، منذ انطلاق الثورة العربية الكبرى، والبؤرة الأولى في تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921. وقد كانت ولادته عام 1931، وينتسب إلى عائلة صغيرة تعود في أصولها إلى أسرة دمشقية، هاجر عدد من أبنائها في أواخر الحقبة العثمانية، حيث كان منهم تجار وفنيين، وكان أن أقام نفر قليل في مدينة معان الجنوبية ذات الصبغة البدوية العشائرية، وقد قاسى يوسف العظم من الفقر خلال طفولته وشبابه، حيث كان والده رجلاً فقيراً يعمل في شركة نفط العراق، لكنه مع ذلك أرسل ابنه إلى الكتّاب في المدنية، حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب، وحفظ سوراً من القرآن الكريم.

بعد أن أمضى سنتين في الكتّاب، التحق بالمدرسة في المدينة التي كانت حينها مجرد بلدة كبيرة، وقد توفي والده وهو في عمر صغيرة، وكان من شأن ذلك أن يقضي على أحلامه في مواصلة دراسته، بسبب اشتداد وقع الفقر بعد خسارته لوالده، ولعدم توفر مدارس ثانوية في معان في تلك الفترة، لكن والدته أصرت على أن يكمل ابنها المجتهد دراسته، فغادر معان باتجاه العاصمة عمان، حيث التحق بالمدرسة الثانوية، وقد اضطر للعمل في الورش والمحلات التجارية، وعمل حارساً ليلياً، من أجل الإنفاق على نفسه ومساعدة عائلته، مما علمه الاعتماد على النفس منذ شبابه الباكر، وقد واجه الظروف الصعبة بجلد وصبر كبيرين، حتى تمكن من تحقيق غايته، فنال شهادة الثانوية العامة بتفوق عام 1948، وكان بمقدوره تحصيل وظيفة جيدة بهذه الشهادة، لكنه رغب في تحصيل مزيد من العلم والمعرفة.

سافر يوسف العظم إلى العراق، ودرس فيها بكلية الشريعة مدة سنتين، وبعد تخرجه فيها، انتقل إلى مصر حيث التحق بجامعة الأزهر، حيث درس اللغة العربية وآدابها، ونال شهادة اللسانس عام 1953، وبعد ذلك مباشرة درس في جامعة عين شمس لمدة عام، ليحصل على دبلوم عالٍ في التربية عام 1954، وقد أتاحت له فترة دراسته في القاهرة الفرصة للتواصل مع عدد كبير، من أعلام الفكر والدعوة الإسلامية، حيث جالسهم ونهل من علمهم، وتمكن خلال فترة قصير من بناء صداقات قوية معهم، لما تميز به من ذكاء وثقافة واسعة، وقدرة على الخطابة والمحاججة، فقد لازم سيد قطب، ويوسف القرضاوي، وأحمد العسال، والبهي الخولي، وعبد العزيز كامل، وخلال دراسته في بغداد لازم الشيخ محمد محمود الصواف.

بدأ يوسف العظم نشر مقالاته في الصحف والمجلات وهو طالب في بغداد، وحين انتقل إلى القاهرة لدراسة اللغة العربية في الأزهر، أخذ ينشر في مجلة الرسالة وهو في سن العشرين، وهي المجلة التي نشرت لكبار الكتاب، من أمثال طه حسين والعقاد والرافعي وسيد قطب، وهذا دليل على ما تمتع من موهبة حقيقة في الكتابة الصحفية، بالإضافة لرتكازه على مواقف إسلامية ثابتة، لم يحد عنها في أي مرحلة من مراحل حياته، وهذا ما حفظ له تقديره ومكانته بين الناس البسطاء والسياسيين والمفكرين، كما أن تمتعه بالموهبة الأدبية في كتابة الشعر والقصة والمقالة، ومشاركته الواسعة في عدد كبير من الندوات والمؤتمرات، وقدراته في مجال الخطابة، التي أوجدت له جمهورا عريضا من المتابعين، كلها عوامل أسهمت في بناء شعبيته الكبيرة، دخل الوطن وخارجة على أسس سليمة استمرت حتى يومنا هذا.

بعد إنهاء دراسته في جامعة الأزهر وجامعة عين شمس، عاد إلى الأردن وقد عمل في مجال التعليم، وهي المهنة التي أوقف لها معظم سنوات عمره، رغم انشغالاته السياسية والصحفية، حيث عمل مدرساً في الكلية العلمية الإسلامية في عمان، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 1954 إلى عام 1962، وكان يرى أن التعليم الواعي هو أساس بناء المجتمعات، لكنه مع ذلك لم يتخل عن قلمه في الحقلين الأدبي والصحفي، فقام بتأسيس صحيفة الكفاح الإسلامي، ورغم الصعوبات المالية الكبيرة، استمرت هذه الصحيفة في الصدور بين عامي 1956 و1958، حيث توقفت لأسباب كثيرة.

ونظراً لمواقفه الإسلامية الثابتة، والمعارضة في كثير من الأحيان لبعض السياسات الحكومية، فقد تعرض للتوقيف والسجن عدد من المرات، خاصة في فترة خمسينيات القرن الماضي، وقد زامل في سجنه شخصيات حزبية معارضة، من مشارب مختلفة منها الشيوعي والبعثي، حيث ارتبط معهم بذكريات وصداقات عميقة منهم: فؤاد نصار رئيس ومؤسس الحزب الشيوعي، البعثي سليمان الحديدي، والشيوعي فريد القسوس.

بقي يوسف العظم مخلصاً لرسالته التربوية، لذا قام بتأسيس ( روضات براعم الأقصى ) والتي حولها بعد ذلك إلى مدرسة خاصة هي ( مدارس الأقصى ) في ستينيات القرن الماضي، التي تعد من أعرق المدارس الخاصة في الأردن، وقد بقي يديرها مدة تزيد عن خمسة وثلاثين عاماً. خاض العظم غمار الانتخابات النيابية عن مدينة معان عام 1963، ورغم قلة عدد أفراد عائلته، إلا أن مكانته بين الناس، وقربه منهم منحه فوزاً مستحقاً في هذه الانتخابات، وقد عمل على خدمة أهل مدينته، وخدمة قضايا الأمة، خاصة القضية الفلسطينية، ولم يحد عن مبادئه، حتى أنه كان يحجب الثقة عن الحكومات التي عاصرها، إخلاصه لرؤاه وفكره الخاص الملتزم بالتيار الإسلامي، وقد خاض الانتخابات للمرة الثانية وفاز بها عام 1967، كما حقق فوزاً في الانتخابات النيابية عام 1989، ليكون واحداً من أبرز البرلمانيين الأردنيين، ورغم معارضته لبعض السياسات الحكومية، إلا أنه كان ناشطا في اللجان المختلفة، فقد كان مقرراً للجنة التربية والتعليم، وعضواً في لجنة الشؤون الخارجية.

دخل يوسف العظم الحكومة عام 1990، حين أسندت إليه حقيبة وزارة التنمية الاجتماعية، حيث نهض بأعباء هذه المسؤولية بكفاءة عالية، مستنداً لفكره ونهجه الإسلامي. شارك يوسف العظم في عشرات الندوات والمؤتمرات والمواسم الثقافية، في عدد من الدول الأجنبية، منها الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا. وفي مجال الكتابة الأدبية، أوقف جزءاً كبيراً من شعره للأقصى، حيث اعتبر القدس جوهر القضية الفلسطينية، حتى لقب بشاعر الأقصى، وأصدر عدداً من الدواوين الشعرية منها: « في رحاب الأقصى « و « رباعيات فلسطينية « و « أناشيد وأغاريد للجيل المسلم» وغيرها، وله مجموعة قصص ذات طابع إسلامي هادف، ومؤلفات في الثقافة الإسلامية والتربوية، ودراسات دينية معمقة.

في السنوات الأخيرة من حياته، قلل كثيراً من أنشطته بسبب حالته الصحية، لكنه ظل مخلصاً لنهجه ولقلمه، فلم ينقطع عن الكتابة الأدبية والصحفية، غير أن المرض اشتد عليه، لذا نقل إلى المستشفى التخصصي، وبعد خروجه منعه الطبيب من الوضوء لخطورته على صحته، فكان يتيمم ويصلي، فلم ينقطع عن صلاته في أحلك الظروف، وفي يوم وفاته سمح له الطبيب بالوضوء، وبعد أن توضأ وأحرم للصلاة توفي على سجادة الصلاة وهو مستغرق في صلاته، وقد توفي يوم الأحد 29/ 7/ 2007 عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً، حيث خلف أرثاً كبيراً في الأدب والصحافة والثقافة الإسلامية، وبالإضافة لمساهماته في الفكر الإسلامي والعمل السياسي والوطني، وشكلت وفاته خسارة كبيرة للوطن والأمة.

الشيخ المجاهد عودة أبو تايه

|1 التعليقات
الشيخ عودة أبو تايه

إن الحديث عن عودة أبو تايه هو حديث عن شخصية وطنية وقومية من الرعيل الأول ، وأحد الرجال الذين شعروا بمسؤولية الهم القومي فانتسب للثورة العربية الكبرى استجابة لهذا الهم فنقش على جدار الزمن أروع ملامح البطولة والشرف وسجل في صفحات التاريخ العربي المعاصر حكايا النضال ورسم في الذاكرة العربية صور البطولة والتضحية والفداء.

ولد عودة أبو تايه في الصحراء الأردنية في منطقة الجفر حوالي عام 1870 ، والده الشيخ حرب أبو تايه وأمه عمشة أيضا من نفس العائلة ، ونشأ مثل كل أبناء البادية ابتدأ برعاية الأغنام ثم برعاية الإبل ، ثم توفي والده حرب وهو في سن الرابعة عشر وتولى زعامة القبيلة فقد تولى زعامة القبيلة في سن مبكرة لأن أخاه الكبير محمد الذي كان هو الشيخ لفترة قصيرة قُتل في أحد المعارك مما أدى إلى أن يتولى عودة الزعامة وهو في سن الرابعة عشر فالشيخ عودة أثبت نبوغا وقدرة على القيادة وبرزت صفاته الشخصية القيادية في سن مبكر ، ولكن كان يناصب الدولة العثمانية العداء منذ الصغر وعلى مدار الأيام وباستمرار دون أي تردد فعندما جاءت الثورة العربية الكبرى بقيادة الهاشميين كانت فرصة مواتية له ليس فقط للإنتقام ولكن ليتصرف بعقيدته وما عرف عنه من مناكفة للدولة العثمانية لأنها ظالمة وكانت إدارتها فاسدة وكانت تسعى لتجهيل الناس وكان هو ضد هذا الوضع بالكامل وكان ينتظر الفرصة وكانت الثورة العربية الكبرى وكان من أوائل من انتظم تحت لواء الثورة العربية الكبرى وساهم في أعمالها.

وقال المؤرخ الأردني محمود عبيدات: إن الحديث عن الشيخ عودة أبو تايه هو الحديث عن تاريخ هذه الأمة ، وتاريخ هذا الوطن ، وعن دور الأردنيين في حالة النهوض الوطني والقومي الشعب الأردني بطبيعته ومنذ العصر الوسيط كان دائماً يندد باستراتيجية الولاء للأمة العربية ويعتز بشرف الولاء الوطني والقومي ضمن هذه الأجواء كان عودة أبو تايه واختصرها بعبارة قالها الدكتور مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري الأسبق "عودة أبو تايه قبيلة في رجل".

عودة أبو تايه تعلم مفاهيم الفلسفة العربية ليست على طريقتنا نحن وإنما على طريقته الخاصة من خلال سلوكيه هي في الأساس إرث تاريخي موجود في تاريخه ، وأضاف المؤرخ محمود عبيدات قائلاً: انه عندما اجتمع الشيخ عودة أبو تايه بجلسته مع الأمير عبد الله وكان روبرت صموئيل حاضر في الجلسة وسأل روبرت صموئيل الشيخ عودة أبو تايه أنه كيف تحول من إنسان يمارس الغزو إلى مرحلة النضال والقتال وتحرير بلادك ، وهنا كانت المشاعر القوية الموجودة بدبلوماسية البدوي الذي لا يقبل ممارسة الإذلال في عملية السلوكية حيث رد عليه بعنف قائلاً له عندما كنت أقوم بعملية الغزو كنت أغزو القوي لمناصرة الضعيف وكنت أدافع عن نفسي وأدافع عن عشيرتي وأدافع عن أهلي ، أطرد القوة التي تريد أن تسيطر علي وأناصر الضعيف لكن أنت ماذا تعمل هنا في بلادنا كنت أنا أغزو أبناء عمومتي لكن أنت ماذا تعمل هنا في بلاد العرب.

وصرخة عودة معروفة كان له صرختان اجتماعية وعسكرية ، الصرخة الاجتماعية كان ينظر إلى أبناء عائلته وأبناء العشائر الأخرى فيشاهد شاب وصل عمره السابعة والعشرين وغير قادر أن يتزوج كان يقدم المهر ويقيم عرساً جماعياً للفقراء الموجودين في منطقته.
وتحدث الدكتور فواز أبو تايه من البيئة التي خرج منها عودة أبو تايه قائلاً: لا شك أيضا أن المرحوم حرب أبو تايه كان على مستوى من حيث الوضع العشائري وقوته ونفوذه في المنطقة لكن الظروف تغيرت ، فقد واجه عودة أبو تايه من الظلم العثماني والملاحقة طيلة حياته من البداية حتى النهاية ، كان طريد السلطة العثمانية إلى أن جاءته فرصة الثورة العربية الكبرى ليحرر بها بلده ونفسه وعشيرته ، وكانت تربطه أيضاً صداقات مع زعامات الكرك وعلى رأسهم حسين الطراونة ورفيفان المجالي ومن بني صخر مثقال الفايز وجزاع بن نويرس وكذلك له صداقات مع أبناء القرى والمدن مثل صداقته مع كليب الشريدة وصداقته مع أوائل الشهداء الزعماء أصحاب الأسماء الكبيرة طلال ابن حريدين ، واستشهد وهو في طريقه لتحرير دمشق حيث كان من أكبر وأعز أصدقائه وأكثرهم أهمية ولعب دوراً كبيراً في الثورة العربية الكبرى.

وتحدث المؤرخ محمود عبيدات عن الحكمة والشعر عند عودة أبو تايه بماحصل عليه من كلامه حيث مما ذكر عنه:"يا أهل إذا قمنا على قدم وساق ، وخضنا غمار الحرب لنحرر الاستقلال ونكون أمة عربية مستقرة ونحن نرفض كل سيطرة أجنبية رفضا باتاً ، يا حضرة المندوب السامي روبرت صموئيل ماذا تعملون في بلادنا ألا تقومون بغزو الأقطار البعيدة وامتلاكها والتحكم بها ألا تعتبرون عملكم غزواً يفوق غزوات البدو المحدودة في السلب والنهب ، في جسدي أثنان وعشرون جرحاً أعزها علي الجروح الأخيرة التي كانت من أجل عز العرب ولن أبخل على أمتي وقومي بما تبقى من سليم في جسدي والله على ما أقول شهيد".

ومن شهادة الأمير زيد في عودة ابوتايه أن مهمة لورنس العرب كانت مهمة عسكرية مخابراتية ، وأنه ظلم عودة أبو تايه فكل ما يقوم به عودة أبو تايه من انتصارات كان يسنده لنفسه ويكتب فيه التقارير بأنني قمت بكذا وكذا وكان معي عودة أبو تايه وكان معي فلان وفلان ولكن عودة أبو تايه هو الذي يقود المعارك وهو الذي حرر الجولان ، وهو الذي حرر حوران أيضاً.

وتحدث المؤرخ محمود عبيدات عن الدور النضالي للشيخ عودة أبو تايه قائلاً: أن عودة أبو تايه كان الشخص الوحيد من زعماء العشائر الذي كانت السلطات التركية تطارده والشخص الوحيد من زعماء القبائل الذي كان يرفض قرارات الإدارة التركية ، والشخص الوحيد الذي كان يرى نفسه أنه أعلى بكثير من الوالي العثماني الذي كان موجوداً لأنه ابن هذا الشعب الحريص على أهله وبلده.

ويذكر فايز الغصين عبارة مشهورة للشيخ عودة عندما بدأ بتحرير الشام قائلاً :"عندما دخل عودة أبو تايه ومسك طقم الأسنان الذي كان مصنوع من قبل الطاقم الطبي العثماني كسره وقال سوف أنهي آخر مرحلة من مراحل الحكم العثماني بهذا بدأ بتحرير الشام وهم ما يزالون في منطقة الوجه" ، ويقول مصطفى طلاس في كتابه عن الثورة العربية الكبرى أن الاستراتيجية العسكرية التي وضعها عودة أبو تايه تدرس الأن في الجامعات والكليات العسكرية العالمية.

وتحدث الدكتور فواز أبو تايه عن الجانب الاجتماعي والإنساني من حياة الشيخ عودة أبو تايه قائلاً: يروى عن الشيخ عودة أبو تايه قصص ترقى إلى الأساطير والمبالغة أنه تزوج 28 زوجة ، ولكن الأهم من ذلك علاقات عودة أبو تايه مع زعماء بلاد الشام مع سلطان باشا الأطرش ومع إبراهيم هنانو ، ومحمد الشريقي ، وسعيد باشا خير ، فقد كانوا جميعهم يقيمون مظاهرات ضد التنسيق البريطاني الفرنسية في المنطقة ، يضاف لذلك تقوى الله عودة أبو تايه وهو على سرير الموت أوصى بأمرين أن لا يقام به أربعين لأن فيه مبالغة ونفاق وأيضا بإقامة ضريح على قبره ، وقد وصف المؤرخ محمود عبيدات عودة أبو تايه قائلا إن عودة أبو تايه يجب أن يصنف من الشهداء وأنا أرى أن وفاته ليست طبيعية حيث قيل أنه أصيب بالسرطان في معدته ، ولكن أنا أقول أن البريطانيين تآمروا على صحته ، وأُقيم هذه الشخصية أنها تاريخية ونموذجية وتمثل فعلاً حالة فريدة في الذاكرة الأردنية ، وأنا أعتبر أنه كان بياناً تحريضياً للأمة وللأردن.

ويصفه الدكتور فواز أبو تايه قائلاً: أنه كان رمز للمرحلة التي مرت بها أمتنا وكانت مرحلة واعدة ومع الأسف اجهضت بالعديد من العوامل. هكذا كان الشيخ عودة أبو تايه صاحب عقيدة يؤمن بها إيماناً راسخاً لا يتزعزع وذلك من خلال قوله: "في جسدي أثنان وعشرون جرحاً أعزها علي الجروح الأخيرة ، التي كانت من أجل عز العرب ، ولن أبخل على أمتي وقومي بما تبقى من سليم في جسدي .. والله على ما أقول شهيد" ، تغمد الله فقيد الأردن الكبير الشيخ المجاهد عودة أبو تايه بواسع رحمته ورضوانه.

بهجت التلهوني

|0 التعليقات
بهجت التلهوني
الحديث عن بهجت التلهوني حديث عن شخصية مرموقة من الرعيل الأول ساهمت بدور متألق وحضور قوي في مسيرة الحياة السياسية مدة لا تقل عن ثلاثين عاماً. شخصيتنا لهذا اليوم دولة المرحوم بهجت التلهوني.

يعد بهجت التلهوني من الشخصيات الاردنية التي كان لها دور بارز في مجمل الأحداث الهامة في تاريخ الاردن المعاصر أو تلك التي تركت بصمات واضحة في تشى ميادين العمل السياسي الاردني ولقد عرف بمواقفه الوطنية والقومية الثابتة.

وُلد بهجت التلهوني في معان سنة 1913 ، ونشأ فيها ثم انتقل إلى سوريا مع والده ووالدته وأخيه وأخواته ، وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى ، وفي الطريق قُتل والده ووالدته وإخوانه وكان في حالة ضياع ومن هناك أخذه الناس إلى خالاته في دمشق حيث آووه ورعوه لفترة معينة ثم تولى عمه خليل التلهوني رعايته وأتم الدراسة الابتدائية في عمان وقتها وكانت الكتاتيب والمدارس صغيرة.

كان عنده طموح لمتابعة الدراسة فأصر أن يذهب إلى مدرسة السلط ولكن عمه أصر عليه أن يدخل في التجارة حتى يساعده ولم يكن مقتنعاً بأن الدراسة مجدية قدر التجارة لكنه أصر وطلب وجهاء وشخصيات معان فذهبوا إلى عمه وترجوه وطلبوا منه أن يسمح له أن يذهب ويدرس في السلط ، حيث أنهى الدراسة الثانوية ، ثم غادر إلى دمشق حيث أنهى الحقوق وبعد ذلك عمل في مكتب محاماة في عمان ثم أصبح رئيس محكمة البداية في الكرك ، وأخيراً في اربد قبل عودته إلى عمان وفي عمان اشتغل رئيس محكمة البداية والاستئناف ، ثم صارت حكومة فوزي الملقي وصار بها وزيراً للداخلية ثم أصبح وزيراً للعدلية ومن ثم في زمن المرحوم جلالة الملك حسين صار أول رئيس ديوان في زمنه عام 1953 ، وبقي رئيساً للديوان الملكي حتى سنة ,1960

وقد تحدث دولة السيد أحمد اللوزي عن اللقاء الأول الذي جمع بينه وبين المرحوم بهجت التلهوني قائلاً: في عام 1953 كنت مساعداً لرئيس التشريفات الملكية وكنا نلتقي في مكتب المرحوم منيب الماضي في عمارة المرحوم عبد الرحمن بشار الماضي ، وكان يلتقي مع دولة المرحوم أبو عدنان وهو كان رئيس محكمة.

والحقيقة الأساسية عندما أصبحت مساعداً لرئيس التشريفات الملكية ودولة المرحوم بهجت التلهوني بعد استقالة المرحوم فوزي الملقي ، أصبح رئيسا للديوان الملكي عام 1954 ، وفي عام 1954 بدأت العلاقة أنا كنت موظفا في الديوان مساعد رئيس التشريفات وهو رئيس الديوان الملكي والحقيقة لم يكن في ذلك الوقت موظفون في الديوان إلا بعدد أصابع اليدين رئيس الديوان وله مساعد ، رئيس التشريفات وله مساعد عبارة عن موظفين عاديين منهم أنور مصطفى ، غازي خير عبده فرج ، الدكتور شوكت الطبيب الخاص والشريف ناصر جاء ناظراً للخاصة الملكية ، وتسارعت الأحداث والحقيقة أن دولة المرحوم بهجت التلهوني امتاز بمواقف متعددة في القضاء فكان له مواقف وأحكام هامة فهو الذي حاكم رئيس الحزب الشيوعي "فؤاد نصار" وكانت له أحكام حتى في اربد لأشخاص مرموقين.

يشهد لأبي عدنان بالأمانة والاستقامة والجرأة بالحق ثم عندما بدأت الأمور تتفاعل وتسلم جلالة الملك الحسين في 2 ـ 5 مسؤولياته الدستورية عام 1953 حصلت عدة أمور كان دولة أبوعدنان رئيس الديوان الملكي: أولها: تعريب قيادة الجيش العربي ، وكان هو ومعالي المرحوم فلاح المدادحة اللذين ذهبا إلى بيت كلوب باشا واصطحباه إلى عندما اتخذ مجلس الوزراء القرار بتنفيذ رغبة جلالة الملك بتعريب القيادة وإنهاء خدمات كلوب وإنهاء خدمات القادة البريطانيين جميعاً ، والحقيقة هذا حاجز قام له العالم وقامت له الدنيا ، وقامت له المنطقة العربية بالإعجاب والإشادة بجلالة الملك لأن النفوذ البريطاني كان متمثلاً بالفريق كلوب باشا قائد الجيش العربي ثم كان له خدمات في العراق وفي المنطقة وحضور بين العشائر فاعتبر هذا القرار أنه إنهاء للهيمنة البريطانية.

أما عن علاقة رئيس الوزراء الاسبق عبد الرؤوف الروابدة ببهجت التلهوني فيقول فيها الروابدة ان فارق السن بيني وبين المرحوم كان كبيراً كان رئيس وزراء قبل أن أتخرج من الجامعة تخرجت عام 1962 واستقال من الحكومة الأولى كانت لديه اهتمامات سياسية ونيابية ومنذ تلك الأيام منذ أن دخلت الوظيفة ولذلك كانت لي زيارات متكررة لنادي الملك الحسين وفي هذا النادي كان أبو عدنان رحمه الله هو المحور الذي يجتمع حوله العديد من السياسيين الاردنيين أما ما جذبني له وما جذبه لي فأنه معجب بالشباب أولاً ومعجب بالجرأة لأنها صفاته يعني أنا ما جذبني إليه رغم الاختلاف السياسي أحياناً مع جرأته في رأيه وجرأته في إيقاف الآخرين عند حدودهم وأحترامه لذاته أنه يحترم ذاته ولا يقبل من أحد أن يتجاوز حدود التعامل معه ، واحترامه للمنصب ، أنا أذكره وهو رئيس للوزراء لم يكن يقبل أن يتم التجاوز على صلاحياته ، أو على صلاحيات الحكومة بملمتر واحد من أي طرف كان.

وتحدثت السيدة زهرة المرادي عن طبيعة العلاقة التي كانت تجمع بينها وبين المرحوم أبو عدنان قائلةً: الحمد لله عشنا حياة هادئة مستقرة متفاهمين مع الاحترام المتبادل بيني وبينه ، وحياتنا كانت من أروع ما يكون والحمد لله وأنجبت ثلاثة أطفال منى وعدنان وغسان وبالنسبة للسياسة أنا لم أتدخل بالسياسة لأن أهلي ليسوا سياسيين. نحن يقولون عنا "مزارعون ملاكون" كنت مبسوطة معه ومرتاحة لأني أعرف أنه يسلك في الطريق المستقيم وأكثر شىء أفتخر به عندما وضع القانون المدني الذي تبنته كل البلاد العربية.

أما عن التدرج الوظيفي في حياة بهجت التلهوني فقد تحدث الدكتور سعد أبو ديه قائلاً: عمل أبو عدنان في مكتب عادل العظمة وأعجب في الوظيفة وكان يشتغل معه في القضايا ، وعندما عُين عادل العظمة في دمشق فترك له المكتب والقضايا فهو مبسوط في هذه الوظيفة عندما يتم التعيين في الحكومة يشترط أن يُعين خريج الحقوق إما رئيس كتاب أو مأمور إجراء وقال هو أنه يريد أن يتعين قاضيا وهذه أول وظيفة في الاردن ظل في القضاء ستة عشر عاماً ، أنا لاحظت أنه يحب القضاء لدرجة أنه عندما تعين رئيس وزراء في عام (1964) اختار معه رئيس وزراء وزير العدلية ، ما اختار وزارة خارجية أو وزارة دفاع وظل يحب القضاء. والمحطة الثانية في حياته عندما استلم وزيراً للداخلية وعُين في مكان آخر قاضيا للقضاة ووزير عدلية هناك وجد نفسه. ثم المحطة الثالثة عام (1956) التعريب إلى جانب جلالة الملك الحسين يرحمه الله.

أبو عدنان شكل الوزارة ثلاث مرات المرة الأولى والثانية كانتا ترميم بعد حادثة اغتيال هزاع المجالي وعندما طلب منه جلالة الملك أن يشكل وزارة في الديوان وتكون الرئاسة في الديوان.

وحول عمله رئيساً لمجلس الأعيان فقد أضاف الروابدة قائلاً: في دراسته للتشريعيات ، واستفادته من خلفيته القانونية ، خلفيته القضائية وكانت سيطرته على إدارة الجلسة وليست سيطرته على المجلس والفارق بينهما كبير ، سيطرته على إدارة الجلسة وهذه من صفات القادة الإدرايين الحنكة يوجد هنالك أناس يسيطرون على مرؤوسيهم بأساليب مختلفة ، اما أن تسيطر بأسلوب إداري ، أنا أعتقد أنه كان ينجز إنجازا جيدا ، مجلس الأعيان في موضوع التشريعات في العهد الذي تولى فيه أبو عدنان.

وقال اللوزي: ان إنجاز ابوعدنان التاريخي كان القانون المدني عام 1977 بالنسبة للأردن فدولة أبو عدنان بصماته ومواقفه وخدمته للوطن برأيي من القضاء إلى الوزارة إلى الديوان الملكي لرئاسة الأعيان كانت خدمة مرموقة وكان جسرا وهمزة وصل حتى مع الدول التي نختلف معها في الرأي ، وعندما طرح جلالة سيدنا مشروع الممكلة العربية المتحدة بين الاردن وفلسطين كان هو الرسول مع وفد من الأعيان والحكومة في ذلك الوقت.

ووصف الروابدة بهجت التلهوني قائلاً: كان شخصية سياسية قيادية أردنية مرت في تاريخ هذا البلد كان لها دور بارز وفي مفاصل أو في مواقف مفصلية في هذا البلد ، نحترم ونقدر الدور الذي قام به نحترم اختلافه معنا واختلافنا معه ، لأنه هذا الاختلاف لم يكن قائماً على قواعد شخصانية ، بتاتاً وإنما اختلاف من أجل المصحلة العامة ، ولذلك تمتع بالاحترام.

أما اللوزي فيقول: أنا أترحم عليه الرحمات من رب العالمين ، ولكني أستشعر أنه للحقيقة والحق كان رجل مواقف ورجلا يتوخى العدل ما استطاع إليه سبيلا ويحب الناس ويقترب منهم ويوادهم ويختلف ويرضى ويغضب لكن للحق وللعدل وليس لشىء شخصي.

ثروت التلهوني

|0 التعليقات
ثروت التلهوني
إن الحديث عن رجالات الأردن العظام يؤسس للحفاظ على جانب مهم من الذاكرة الوطنية حيث يقدم صورة مشرقة لكوكبة من رجالات الأردن الأوفياء الذين أخذوا على أنفسهم عهداً أن يستمروا برحلة الإنجاز والبناء.

حيث عمدوا إلى إعلاء الصروح التي أرسى دعائمها السلف من قبلهم وإن كنا اليوم نقرأ سيرة حياة هذه الكوكبة من رجال الأردن العظماء فإنما نقرأ سيرة مجموعة من الكواكب التي أضاءت سماء الأردن وزرعوا للمجد بذوراً على امتداد تراب هذا الوطن الغالي وفي أنحائه المختلفة ، من شتى أصولهم ومنابتهم.

ومن أحد الرجال الذين ولدوا كباراً وظلوا وكبروا حتى أصبحوا فوق النسيان كونهم قد تركوا بصمات واضحة في كل درب يسلكونه وعلى كل أرض يمشون فوقها فبقوا موجودين في الذهن ، كالسياسي الكبير ثروت التلهوني.

ولد ثروت التلهوني في مدينة معان عام 1922 ، تلقى تعليمه الإبتدائي والإعدادي في مدارس عمان العاصمة وتابع تعليمه الثانوي في مدرسة السلط الثانوية ، حيث حصل على شهادة الدراسة الثانوية العامة منها وذلك عام 1941 ، بعد ذلك عمل موظفاً حيث لم تسمح له ظروفه المادية الصعبة آنذاك الإلتحاق بالجامعة مباشرة أي بعد إكمال الثانوية العامة.

ثم بدأ بدراسة الصيدلة في الجامعة السورية بعدها عاد إلى وطنه الأردن عام 1946 حاملاً درجة البكالوريوس في الصيدلة ويسجل للمرحوم ثروت التلهوني أنه صاحب أول صيدلية في مدينة إربد ثم نقلها إلى مدينة عمان وذلك عام 1953 وكانت ثاني صيدلية في العاصمة عمان وزاول مهنة الصيدلة حتى عام 1958 حيث انشغل بالعمل السياسي والعمل العام.

اصبح الصيدلاني ثروت التلهوني عضواً في مجلس النواب الخامس نائباً عن مدينة معان في الفترة ما بين عامي 1956 - 1961 وقد كان أحد النواب الثلاثة عشر الذين تم اختيارهم لتمثيل الأردن في مجلس الاتحاد العربي ببغداد وتم اختياره عضواً أيضاً في مجلس النواب السادس ، خلال الفترة 1961 - 1962 ، وقد تم حل مجلس النواب آنذاك بسبب عدم منحه الثقة للحكومة آنذاك ، بعدها شغل منصب مدير عام ونائب رئيس مجلس إدارة شركة الإنتاج (الشركة الأردنية الصناعية التجارية الزراعية) وفي العام الذي يليه عمل مديراً لشركة الإنماء الصناعي.

بعد ذلك تسلم أول وظيفة حكومية أعادته إلى المهنة الأولى التي مارسها حيث تم تعيينه مديراً للصيدلة واللوازم في وزارة الصحة من 1963 وحتى 1965 ، ليتم تعيينه بعدها مديراً عاماً لدائرة الإحصاءات العامة من 1965 وحتى 1967 ليصبح بعد ذلك مديراً عاماً لدائرة الجوازات والأحوال المدينة من 1967 وحتى ,1969 بعدها بعام شغل منصب محافظ في وزارة الداخلية ومحافظاً للعاصمة عمان حتى عام 1973 هذا وقد صدرت الإرادة الملكية السامية بتعيينه وزيراً للداخلية في حكومة زيد الرفاعي من 23 ـ 11 ـ 1974 ولغاية 8 - 2 - 1976 وصدرت أيضاً إرادة ملكية سامية بتعيينه وزيراً للداخلية مرة أخرى من 8 - 2 - 1976 ولغاية 13 - 7 - ,1976 ثم شغل منصب سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى المملكة العربية السعودية عام 1978 ولغاية 1981 ، بعدها صدرت الإرادة الملكية السامية بتعيينه عضواً في مجلس الأعيان الثالث عشر ، و يحمل المرحوم ثروت التلهوني العديد من الأوسمة من الدول الشقيقة والصديقة.

لقد عاش حياته مثالاً للتواضع والصدق والإخلاص والتفاني في خدمة وطنه و كان جريئاً وشفافاً لا يخشى في الحق لومة لائم حيث كان المرحوم ثروت التلهوني يتخفى على هيئة أحد المراجعين في كل الدوائر التي قادها حتى يرى بنفسه مواقع الخلل.

كان أباً مثالياً حانياً على أسرته وقد تحدث الأستاذ مأمون ثروت التلهوني المدير العام للمكتبة الوطنية عن شخصية والده قائلاً: أحاول الاقتداء بوالدي قدر الإمكان أجله واحترمه إلى أبعد الدرجات فهو مثال وقدوة لي على الصعيد الخاص والشخصي ، وأتمنى من الله عز وجل أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته ، وأنا مستمر على نهجه ومتقيد بنصائحه وأحذو حذوه فوالدي كان على درجة عالية من الوعي والإدراك وهو صاحب أخلاق سامية ورفيعة عُرف بأسلوبه الرائع في التعامل مع الآخرين ونزاهته المطلقة وأنا أبذل قصارى جهدي لأقتدي بنهجه في الحياة.

ولا يسعني إلا أن انحني لهذا الشخص العظيم الذي أدبني فأحسن تأديبي ورباني فأحسن تربيتي وعلمني فأحسن تعليمي. أما على الصعيد الوطني فقد كان والدي من المخلصين للهاشميين حيث لم يتردد في يوم من الأيام من السير ورائهم ، وجندياً مخلصاً لآل هاشم في عهد المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه.

كان واعياً لوجود الهاشميين في المنطقة مدركاً أن قيام الثورة العربية الكبرى هي الأساس لقيام الكيان العربي فلولا الهاشميون لما كانت هذه المنطقة بهذا الوجود المميز ونحن أولاده قد ورثنا عنه هذا الحب الذي يصل إلى مرتبه الولاء والإخلاص المطلق للهاشميين وللملك عبد الله الثاني بن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية ، وبالنسبة لي فأنا اعتبر الملك عبد الله الثاني هو قدوتي على الصعيد العام والوطني وأحاول جاهداً في عملي السير على خطواته السريعة التي تهدف إلى النهوض بالوطن في كافة مناحي الحياة وعلى الخارطة الدولية والعربية ، حيث ثبّت موقف الأردن هذا البلد الصغير على الخارطة ، الكبير برجالاته الأوفياء المخلصين واستطاع جلب احترام الدول وتقديرها.

وأضاف مأمون ثروت التلهوني قائلاً: تسلم والدي مناصب عدة في أوقات حرجة وكانت تتطلب منتهى الرجولة والأمانة والجرأة عدا عن ذلك فقد ساهم في تأسيس العديد من المؤسسات وقيامها. فالمناصب التي شغلها تتطلب وجود شخص مثل والدي يكون على قدر المسؤولية الموكولة له.

وأضاف قائلاً: الملك عبد الله الثاني قدوتنا في الحياة ونَعًدَهُ بأن نسير على خطى الوالد الذي تفانى في خدمة وطنه والولاء له فنحن جندك الأوفياء ونعاهدك على الولاء المطلق للعرش الهاشمي كما كنا وسنبقى.

"إن خير من أستأجرت القوي الأمين" لقد كان المرحوم ثروت التلهوني مثالاً للسياسي البارع الناجح والمواطن الصالح الذي يبني وطنه بيده ، ويخدم أمته بحبات عرقه وينشر الخير في كل مكان بكل صراحة مخلصه وجهد متواصل.

وقد توفي أبو خلدون عام 1985 في عمان عن عمر يناهز الثالثة والستين ودفن في مقبرة العائلة بأم الحيران. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

محمد علي الكردي

|0 التعليقات
يعد الحديث عن شخصية المرحوم محمد علي الكردي هو حديث عن شخصية أردنية وطنية مرموقة من رجالات الرعيل الأول فهناك محطات بارزة وهامة في حياته فهو رمز من الرموز الوطنية ورجل من رجالها المخلصين وفارس من فرسانها الأوفياء الذين قدموا للوطن خلاصة جهدهم وسخي عطاءهم.

ولد محمد علي الكردي في مدينة معان عام 1903 تلقى تعليمه الأساسي في الكتاب ثم انتقل إلى الشام وهناك تابع دراسته الإبتدائية وعاد إلى الأردن ، عمل في حكومة البلقاء ما بين عامي 1920 - 1922 وكان عمله في المقر العالي في رئاسة الديوان في عمان عند الملك المؤسس عبد الله الأول في المقر العالي ومن ثم عمل ككاتب لرسائل قائمقام عمان ما بين عامي 1924 - 1934 ثم جرى تعيينه مدير ناحية العقبة وخدم فيها في الفترة 1934( - )1935 بعدها انتقل إلى مدير ناحية حبل عجلون وفي نهاية عام 1937 جرى تعيينه قائمقام في عجلون ثم في جرش وأيضاً قائمقام في الطفيلة ، ومن ثم مأمور في دائرة الأراضي وأيضاً متصرف في دائرة الزراعة حيث كان للزراعة دور مهم في دعم الاقتصاد.

وبتاريخ 1 ـ 1 ـ 1945 أصبح متصرفا ثم انتقل إلى معان ومن معان إلى السلط بعد عام 1945 ، لذلك فهو يعتبر من المؤسسين الذين ساهموا في بناء وتأسيس إمارة شرق الأردن وكان له دور إداري مميز منذ تنقله في المناصب التي شغلها من خلال تدرجه الوظيفي وكانت تربطه صلة وثيقة بالملك المؤسس عبد الله الأول حيث كان ديوان الملك عبد الله مفتوحا للجميع وكان يستقبل كافة المواطنين ، ففي المناسبات الرسمية وفي الأعياد يذهب المواطنون للسلام على الملك عبد الله والمعايدة عليه وكذلك فقد كان الملك عبد الله الأول حريصا على أداء صلاة الجمعة في المسجد الحسيني أو في القدس وكان جلالته حريصاً على الاهتمام بالمواطنين ومتابعة أمورهم والإشراف المباشر عليهم ويتجسد ذلك من خلال زياراته الميدانية التي كان يقوم بها إلى جميع المناطق والمواصلة مع المواطنين في مختلف بقاع الإمارة. كما قد عُرف عن الملك المؤسس ذكاؤه الخارق وتحليه بالذاكرة القوية وفي فترة تأسيس الإمارة حرص الملك على استتباب الأمن في المنطقة.

عاصر المرحوم محمد علي الكردي الملك طلال طيب الله ثراه حيث كان يعمل آنذاك مساعداً لأمين عمان في الفترة ما بين عامي 1950( - )1963 وقد عاصر عدة أمناء حيث كانت عمان بلدية ومن ثم صارت أمانة وبعدها عاصمة ويطلق الآن عليها اسم أمانة عمان الكبرى.

وقد تحدث ابن المرحوم السفير الاردني السابق لدى االاتحاد السوفيتي عبد الإله محمد الكردي قائلاً: عاصر والدي الكثير من الرؤساء مثل هزاع المجالي والمرحوم صدقي القاسم والسيد محمد طوقان وحسني سيد الكردي وآخرين وأضاف: عمان كانت مركز مهم وكان المقر العالي والديوان الملكي وكان هناك اهتمام خاص من جلالة الملك المؤسس ومن بعده جلالة الملك طلال طيب الله ثراه.

كان المرحوم محمد علي الكردي قد أشرف على مد مياه وادي السير ومياه عين غزال وكانت عمان محدودة ورسمها الهندسي محدودا وقد شارك في تطوير ومتابعة المسؤوليات الملقاة على عاتقه بالرغم من أن أمانة عمان أو بلدية عمان كانت ميزانيتها محدودة وإمكاناتها محدودة حيث كانت تعمل على استقبال المواطنين والإنفاق عليهم ومتابعة قضاياهم بكافة أمورها. وبعد عام (1963) أحيل محمد علي الكردي على التقاعد وانقطع عن العمل وصار يعمل في العمل الخيري في مجال مساعدة المحتاجين وعمل على تأسيس جمعية صلاح الدين الأيوبي الخيرية.

لقد عاصر المرحوم محمد علي الكردي جلالة الملك المؤسس الشهيد عبد الله بن الحسين وجلالة الملك طلال طيب الله ثراه وجلالة الملك الحسين طيب الله ثراه وأسكنهم فسيح جناته وكان دائماً يقول في شخصية الملك الحسين عمل على بناء الأردن وتطويره وكان همه تطوير الشباب ومتابعة قضاياهم.

من أهم الرجالات الذين عاصروا محمد علي الكردي وعملوا معاً على تطوير الأردن ، المرحوم عمر مطر حيث كان وزير داخلية وكان قد تبوأ عدة مناصب في الدولة والمرحوم بهجت التلهوني وكان رئيس وزراء في الديوان الملكي وأحمد اللوزي وكان وقتها يعمل في الديوان الملكي الهاشمي العامر فترة رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى وسمير الرفاعي ، أيضاً سماحة الشيخ الشنقيطي ، وآخرون تبوأوا مسؤوليات في الدولة الأردنية أيضاً سعد جمعة ، حابس المجالي ، توفيق قطان كان من الرعيل الاقتصادي الأول ، ياسين التلهوني من رجال اقتصاد البلد وأضاف اللواء عبد الإله محمد علي الكردي قائلاً: كانت عمان بلد محدود ، واللقاءات كانت تتم في المنازل وكانت أكثر اللقاءات بعد العمل تتم على لعب الشطرنج وتناول الشاي الأخضر وكان يشاركهم في هذه اللقاءات الشيخ الشنقيقي وكان الشنقيطي في المحكمة الشرعية ، وأثناء إقامتنا في عمان كنا نقيم في شارع الهاشمي وهذا الشارع كان يسكنه الشيخ الشنقيطي والتوتنجي وشوكت الساطي وهو الطبيب الخاص للملك المؤسس وكان لفترة يسكنه مسلم باشا العطار وهو مسؤول كبير وكان الشارع الرئيسي فعندما يذهب صاحب الجلالة إلى الديوان الملكي يمر في شارع الهاشمي.

لقد حرص المرحوم محمد علي الكردي على أن يتلقى أولاده ذكوراً وإناثاً أفضل أنواع التعليم فاللواء عبد الإله محمد علي الكردي بعد أن حصل على شهادة الماجستير التحق بالعمل في دائرة المخابرات العامة وبقي فيها حتى حصل على رتبه لواء ثم تم نقله ليعمل في وزارة الخارجية حيث كان أول سفير يتم تعيينه في ماليزيا كسفير مقيم وذهب وأسس السفارة وبدأ العلاقة الرسمية وكذلك فقد شغل منصب سفير المملكة الأردنية الهاشمية في روسيا وأوكرانيا وشقيقه تابع دراسته الجامعية وحصل على شهادة أوبتشن للنظر وكان من أوائل الذين عملوا في فحص النظر ومعالجة العيون والتحق بالقوات المسلحة وخدم في الخدمات الطبية لحين وفاته أما شقيقاتهم فقد عملن في سلك التعليم.

أما عما يقوله في والده الرمز والقدوة فقد تحدث عبد الإله محمد الكردي قائلاً: لقد أخذنا من والدنا الأمانة والإخلاص في العمل وتحمل المسؤولية دون النظر إلى المكاسب وإنجاز أعمالنا بكل أمانة وإخلاص وأخذنا أيضاً متابعته للعمل وإنجازه على أكمل وجه وتقدير الأسرة المالكة لما تقدمه من جهد وإنجاز فهي قدوة لنا في العمل ومدرسة تعلمنا كيفية المحافظة على وطننا وتحمل المسؤولية وعدم استغلال الوظيفة لتحقيق المصالح والمكاسب الشخصية ، حرص والدي على السعي دوماً لإصلاح ذات البين فكان يقطع المسافات الطويلة للوصول إلى مواقع حل المشاكل بين المواطنين سواء أكانت إشكالات أراض أو عائلات أو أسر أو عشائر كان يعمل على متابعتها وحلها.

أخذ العديد من الأوسمة الملكية نظراً لجهوده المبذولة وشارك في مؤتمر أريحا وكانت له مشاركة في قضية تتويج الملك عبد الله ملك على الضفتين في عام ,1950

توفي المرحوم محمد علي الكردي عام 1983 بعد مسيرة عمل وعطاء حيث قام بواجبه حق قيام أخلص لوطنه ولأمته وتحمل صعوبات الحياة ومشقاتها ، عمل في جميع مناطق الأردن فمن السلط إلى عمان إلى الكرك إلى العقبة ، كان جريئاً في قول الحق لا يخشى لومه لائم فهو بحق من الرجالات الذين ساهموا وقدموا الكثير لوطنهم.

رحم الله محمد علي الكردي وأسكنه فسيح جناته .

خير الدين المعاني ... رجل الاقتصاد والبناء

|0 التعليقات

يعد الحديث عن المرحوم خير الدين المعاني حديثاُ عن شخصية وطنية مرموقة من الرعيل الأول ، لها انجازات عظيمة في عالم الإدارة الحديثة والتنمية في المجال الاقتصادي على الصعيدين الوطني والعربي ، فقد كان الأستاذ خير الدين المعاني رجلاً عالي الهمة متوقد العزيمة لا يعرف المستحيل مشغولاً دائماً برفع قدرة القطاع الخاص وتوجيهه نحو التميز والتفوق ومواكبة آخر ما توصلت له تقنيات العمل في المؤسسات المختلفة مساهماً في تأسيس وبناء اقتصاد الدولة الأردنية مقدماً الكثير من العطاء والانجاز في العديد من المؤسسات الاقتصادية ، فقد عاش السيد خير الدين المعاني في قلوب وأسماع أبناء هذه الأمة ، مسطراً لنفسه تاريخاً زاخراً بقي محط اهتمام عدد كبير من الأشخاص المهتمين برجالات الرعيل الأول وسيرهم. فقد برز المرحوم خير الدين المعاني في تاريخ الأردن كأحد الرجالات الذين سجل الشعب الأردني أعمق معاني الاحترام والتقدير ، مع أن تفاصيل حياتهم لا نجدها إلا بعد رحيلهم عنا ، إما في مذكراتهم ، حيث تنشر بعد قضاء الله بهم ، وإما في كتب أو في مقالات ودراسات صحفية يقوم بمهمة كتابتها وطنيون مهتمون بتدوين سير حياة رجالات الأردن المخلصين ليبقى ذكرهم محفوظاً في ذاكرة الوطن.

وفي مدينة معان التي تقع على حافة البادية إلى الجنوب من عمان عاصمة الأردن ، ولد المرحوم خير الدين المعاني وعلى مقربة من معان تقع أذرح التي جرى فيها التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، أما الحميمة التي جرى فيها التخطيط للثورة التي أدت إلى انهيار الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية فتقع بين معان والعقبة وقد كانت معان مركزاً سياسياً وتجارياً لسلطة المعينيين لوقوعها على الطريق الرئيس بين الجزيرة العربية وبلاد الشام ونزلت بها جيوش المسلمين في القرن السابع الميلادي وهي في طريقها لمعركة (مؤتة) ووصفها الجغرافيون العرب بأنها مدينة صغيرة سكنها بنو أمية وعشائرها من سبعة بطون وكان موسم الحج يقسمها إلى قسمين.

ولمدينة معان صلة وثيقة بتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية حيث كان منطلقاً لأحداث تاريخية كبيرة فقد وصل المغفور له الأمير عبد الله بن الحسين ثائراً على ما حل بالشام من ظلم الفرنسيين في محاولة لجلالة الملك المؤسس رحمه الله استرداد ذلك الحكم الاستقلالي وذلك عام 1920 وإلى مدينة معان وصل أحرار العرب من سوريا ولبنان وفلسطين من أجل التواصل مع الملك المؤسس لتحرير البلاد. وعند الحديث عن مدينة معان حاضرة التاريخ لا يفوتنا أن نذكر المرحوم خير الدين المعاني فجده كان أحد الولاة الذين تم تعيينهم في الأردن من قًبَل الدولة العثمانية ووالده كان محامياً ناجحاً ومن أقدم المحامين في الأردن وعمل حاكماً إدارياً في الطفيلة في عهد الملك المؤسس جلاله المغفور له الملك عبد الله بن الحسين. وسيراً على نهج والده فقد تم تعيين الأستاذ خير الدين المعاني كحاكم إداري في عهد جلالة الملك الحسين رحمه الله. وقد انتقل السيد خير الدين المعاني للعمل في دولة قطر وعُرًف عن أبي عمر بأنه رجل عصامي وعملي قدم الكثير من الجهد وعاش حياة مشرفة مليئة بالصناعات والاقتصاد الوطني ، دل ذلك على حجم الاستثمارات التي أنشأها داخل وطنه حيث كان ذلك هدفاً سامياً بالنسبة له ويذكر أن السيد المعاني ساهم بإنشاء ستة شركات كبرى في مجال المقاولات والأبنية الجاهزة والألمنيوم والمستحضرات الطبية والتجارة العامة.

عُرف عن المرحوم خير الدين المعاني المثابرة حيث كان لا يكل ولا يمل. ومن أبرز صفاته إدارته للوقت وإدراكه لأهمية الوقت ، وبالتالي يمكن ترجمته إلى مال ، إلى عمل وبالتالي إلى اقتصاد ، فالوقت محدود ولكن المال غير محدود وبالتالي الحرص على الوقت ربما كان أهم من الحرص على المال ، التزامه المهني كان واضحاً ومحدداً وقد تميز بالهدوء والسكينة والتأني وهذه أيضاً سمات تبعد الإنسان عن الزلل أو عن الشطط أو القول الذي لا لزوم له ، ومع ذلك كان حازماً في اتخاذ القرار ، كوَّن صلات وصداقات إيجابية مميزة مع الجميع داخل وخارج الأردن. تواضعه كان مرموقاً وعفة لسانه كانت معروفة لدى الجميع.

عُرف عن المرحوم خير الدين المعاني بأنه رجل نظيف رجل يعلم ما يريد ، رجل أمين حريص على أموال الناس وحريص على بلده وعلى توجهه القومي والعربي.

وقد اقترن المحامي خير الدين المعاني بالسيدة صبحية خرينو التي تحول اسمها إلى صبحية المعاني عام 1955 هذه الإنسانة الفاضلة الكاملة الوفية ، زميلة عمره في الدراسة رفيقة دربه وشبابه وشريكة حياته في فكره وعمله الاقتصادي والإداري. للسيدة الإنسانة كان لها الأثر الكبير في تمييز شخصيته في كل مجال أعطاه أو خدم فيه ، فالمرأة الحكيمة العالمة هي نموذج يحتذى بها ، فالزوجة المخلصة هي صبحية المعاني رفيقة دربه وحاملة مشعل فكره ، وما زالت. و كان لها دور كبير أيضاً في هذا الفكر ، وفي خلق هذه الشخصية الرائدة ، فوراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة. وقد تعرفت عليه في المجلس الثقافي البريطاني في عمان حيث كانوا يتعلمون فيه اللغة الانجليزية. ومما يجدر ذكره أن السيدة صبحية المعاني قد ولدت في حيفا وذلك عام 1931 وقد أكملت دراستها في دار المعلمات في القدس حاصلة على شهادة الدبلوم في التربية لتعمل بعد ذلك في حقل التدريس في مدارس البنات منذ 1951 إلى عام 1955 أي العام الذي تزوجت فيه.

بعد نكبة فلسطين عام 1948 انتقلت عائلة السيدة صبحية إلى لبنان وبدعوة من جلالة الملك المؤسس عبد الله الأول حضر والدها إلى الأردن ليعمل في خط سكة الحديد الحجازي وفي عام 1976 شغلت السيدة صبحية منصب مدير عام للشركة العربية للمستحضرات الطبية والزراعية وفي عام 1997 شغلت السيدة صبحية مقعدها في مجلس الأعيان حتى عام 2005م. بالإضافة إلى شغلها عضوية العديد من اللجان المالية والاقتصادية والبيئية والصحية.

وللمرحوم خير الدين المعاني ابنه ونجلان عمر وعلي وهما مهندسان وهما الآن يديران مشاريعهم المتعددة على الرغم من تفرغ الابن الأكبر عمر لوظيفته العليا كأمين لعمان الكبرى. لا يمكن اعتبار رحيل خير الدين المعاني رحيلاً لأحد رجالات الاقتصاد الأردني والعربي فقط وإنما رحيل يعكس حجم الخسارة التي سيعيشها الاقتصاد العربي وهو يفتقد واحداً من أعلامه المشهورين بنمائه وتطوره ، فالراحل لم يساعد في وضع الاقتصاد الأردني على خريطة العالم فحسب بل أسس حالة فريدة من المثابرة والعمل المميز متمسكاً بمبادئه وإنسانيته ووطنه ومستغلاً كل ما يمكن استغلاله لإنهاض الاقتصاد الأردني. توفي المرحوم خير الدين المعاني في حزيران لعام 1981 في حادث سيارة أثناء إشرافه على أحد مشاريعه في مدينة الموصل شمال العراق.تغمد الله رجل الاقتصاد والبناء المرحوم خير الدين المعاني بواسع رحمته ورضوانه.

معالي السيد سليمان عرار ... رجل المهمات الصعبة

|0 التعليقات
سليمان عرار


لكل وطن رجالاته الأوفياء الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية البناء والتعمير من أجل إيجاد الحياة الفضلى للأجيال القادمة وتمجيداً لسيرة سلسلة من رواد الأردن وتقديراً لمواقفهم الخالدة ودفاعهم عن الوطن والأمة وعرفاناً بما قدموه لوطنهم وأمتهم من خدمات جلّى ، وإسهامات كبيرة في سيرته ، لتبقى معالم مضيئة على طريق الأجيال القادمة من أبناء وطننا العزيز.

فالحديث عن الشخصيات الأردنية هو حديث عن رجال عظام كان عطاؤهم موصولاً ، فقد كان الهدف العام بالنسبة إليهم هدفاً سامياً يؤدونه خدمة للوطن وللأمة لا لتحقيق المنافع الخاصة وإن كنا نقرأ سيرة حياة هذه الكوكبة من رجالات الأردن وروادها فإنما نقرأ بهم أيضاً سيرة غيرهم من الكواكب التي أضاءت سماء الأردن وزرعوا للمجد بذوراً على امتداد تراب هذا الوطن الغالي ، وفي أنحائه المختلفة من شتى أصولهم ومنابتهم. ويعد السيد سليمان عرار واحداً من أهم الرجالات في الدولة الأردنية حيث ترك بصمة واضحة تسجل له في تاريخ وطننا العزيز.

تقع مدينة معان على حافة البادية إلى الجنوب من عمان وعلى مقربة من معان تقع أذرح التي جرى فيها التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، أما الحميمة والتي جرى فيها تخطيط الثورة التي أدت إلى انهيار الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية فتقع بين معان والعقبة وقد كانت معان مركزاً أساسياً وتجارياً لسلطة المعينين لوقوعها على الطريق الرئيسي بين الجزيرة العربية وبلاد الشام ونزلت بها جيوش المسلمين في القرن السابع الميلادي وهي في طريقها لمعركة (مؤتة) ووصفها الجغرافيون العرب بأنها مدينة صغيرة سكنها بنو أمية وعشائرها من سبعة بطون وكان موسم الحج يقسمها إلى قسمين.

ولمدينة معان صلة وثيقة بتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية حيث كانت منطلقاً لأحداث تاريخية كبيرة فقد وصل المغفور له الأمير عبدالله بن الحسين ثائراً على ما حل بالشام من ظلم الفرنسيين في محاولة لجلالة الملك المؤسس رحمه الله استرداد ذلك الحكم الاستقلالي وذلك عام (1920) وإلى مدينة معان وصل أحرار العرب من سوريا ولبنان وفلسطين من أجل التواصل مع الملك المؤسس لتحرير البلاد.

ولد السيد سليمان عطاالله عرار في مدينة معان عام (1934) وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة وادي موسى وفي معان ووادي موسى أنهى المرحلة الإعدادية ليبدأ المرحلة الثانوية في الكلية الإسلامية في عمان وينهى المرحلة ذاتها في مسقط رأسه معان. ومن هناك أي من مدينة معان إلى مصر لدراسة التوجيهي المصري بعد أن أكمل المرحلة الثانوية قرر الالتحاق بالجامعة لدراسة الأدب العربي كونه ومنذ نعومة أظفاره ظهرت لديه ملكة الشعر فقد كان حافظاً لمعظم القصائد البدوية المغناة وكان نظمه للقصائد الشعرية وفي فترة مبكرة من مراحل حياته دليلاً عما يتحلى به من ثقافة واسعة وسمو الإحساس.

ومما يجدر ذكره أن سليمان عرار قد تميز عن أبناء جيله بما كان يتمتع به من قدرة عالية على كتابة مواضيع الإنشاء وكان أساتذته في المدرسة وفي الكلية الإسلامية يشيدون بالمواضع الإنشائية التي كان يكتبها من حيث الأسلوب والصياغة.

رغب سليمان عرار بدارسة الأدب العربي ولكنه أخذ بنصيحة صديقْ لوالده عندما قال له: "يا بني الأدب العربي لا يحتاج إلى دراسة ويمكنك أن تتثقف به من خلال مطالعاتك وكتاباتك ، وأنا أنصحك بدراسة صنعة تستفيد منها ، وأقرب هذه الدراسات هي الحقوق" وبالفعل فقد درس الحقوق في جامعة الإسكندرية آخذاً بنصيحة صديق والده.

أكمل سليمان عرار دراسته الجامعية وعاد مباشرة إلى الأردن ليعمل في ديوان المحاسبة وفي عام (1961) وتحديداً في حكومة المرحوم وصفي التل عَمًدَ سليمان عرار ليقدم طلباً للعمل في وزارة الخارجية فتم تعيينه ملحقاً في السعودية والجزائر والرباط ثم نُقل إلى عمان ليعمل في وزارة الداخلية وذلك عام (1971م) كمتصرف لواء (مساعداً لمحافظ الكرك) وبعد ذلك النقل عمل على تقديم استقالته ليأتي مديراً للمؤسسة الصحفية الأردنية ورئيساً لتحرير جريدة الرأي الأردنية بعدها جرى انتخابه نقيباً للصحفيين الأردنيين حيث صدرت الإرادة الملكية السامية بتعيينه عضواً في المجلس الوطني الاستشاري بتاريخ 5 ـ 4 ـ 1978 وكذلك للمرة الثانية في 20 ـ 1 ـ ,1980

عَمًل سليمان عرار مديراً لمكاتب الاتحاد الوطني حيث أتاح له هذا العمل فرصة زيارة مختلف مناطق الأردن. وقد صدرت الإرادة الملكية السامية بتاريخ 13 ـ 7 ـ 1976 بتعيين سليمان عرار وزيراً للداخلية فعندما كان يقوم بتأدية مناسك العمرة اتصل معه دولة السيد مضر بدران وأبدى رغبته بأن يكون سليمان عرار وزيراً في حكومته فجاء وزيراً للداخلية. وبتاريخ 20 ـ 2 ـ 1979 صدرت الإرادة السامية بتعيينه وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء وفي العام التالي جاء وزيراً للزراعة ووزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء وذلك عام ,1980

طالب سليمان عرار بتشكيل الأحزاب وذلك عندما تم تعيينه وزيراً للداخلية بتاريخ 28 ـ 8 ـ 1980 وفي ذلك يقول: "عندما كنت وزيراً للداخلية طالبت بتشكيل الأحزاب وقد قابلت أنا والدكتور سعيد التل وعلي السحيمان جلالة الحسين وطلبنا إلى جلالته السماح بتشكيل أحزاب وكان جلالته متفهماً جداً لطلبنا ، إلا أن الوقت ربما لم يكن مناسباً ، هذا ما كان عام (1981) وأذكر أننا في الاجتماع الثاني مع جلالة الحسين استمر نقاشنا في الموضوع الساعة العاشرة صباحاً حتى الخامسة مساء هذا بالإضافة إلى حديث أجراه معي التلفزيون الأردني حول موضوع تشكيل الأحزاب وذكرت حينها أنني من المؤيدين لإعادة العمل بقانون الأحزاب وأنه لو كان هناك قانون للأحزاب لكنت أول من سعى لتأسيس حزب فالإنسان عندما يكون في العمل العام قد يتعرض للتجريح ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف يتم العمل العام؟ وكيف تتشكل الأحزاب بالعالم؟ اعتقد أن الطموح وارد بل وضروري جداً ولكن للأسف أن الهمس والحسد والكلام المبطن تظهر نوايا اعتقد أنه من الضروري تجاوزها.

رفض سليمان عرار وصفه بالإقليمية وفي ذلك قال: "أنا عربي مسلم ولكن لا تغفلني عروبتي عن صفات يختص الإقليم وأنا لا أستطيع أن أتحدث عن أمزجة شعوب أخرى وإن كان حبي وانتمائي للأردن كبيراً وهذا ليس له علاقة بالإقليمية وهي مرفوضة تماماً ويذكرني الفيلسوف لينين قوله لن تكون أممياً ما لم تكن وطنياً فمن لا يحب أطفاله لا يمكن أن يحب أطفال غيره. ومن لا يحب الأردن لا يحب العرب ولا المسلمون ، وأنا أعتز بأردنيتي ولا أفضل على طعامي طعاماً وأن حبي لبلدي لا علاقة له أبداً بالمفهوم البعيد عن العروبة والوحدة العربية.

ساهم سليمان عرار في الحقل التطوعي الخيري فقد تم انتخابه رئيساً لجمعية أبناء معان الخيرية بعمان بتاريخ 19 ـ 4 ـ 1981 كما أنه كان أحد أعضاء جمعية الصديق الخيرية بالزرقاء لأبناء معان منذ أن كان مدير عام الاتحاد الوطني العربي الأردني ، وهو يرى أنه ومن خلال العمل في القطاع الخاص تستطيع أن تكشف كل عيوب القطاع العام وإحباطاته وبيروقراطيته وفوضاه.

لقد عصفت بحياة سليمان عرار العديد من الظروف الصعبة أبرزها وفاة ابنه محمد رحمه الله حيث غمره هذا الحدث بالحزن وأصبح قريباً إلى الزهد مسكوناً ومغموراً بالحزن الشديد والحدث الآخر هو حادثة الطائرة التي كادت أن تودي بحياته وفي ذلك يقول سليمان عرار: "هذه الخواطر مرت أمامي بزخم أحداثها كشريط أستطيع أن أقول عنها أنها نوع من المذكرات لكنها ليست مذكرات بقدر ما هي تداعيات جرت إليها الحالة. ولا شك وأنا في الطائرة انتابني خوف شديد جرني لأتذكر المرة الأولى التي خفت بها في حياتي عندما كنت طفلاً لكن ما حصل في السماء لم يكن خوف أطفال بل وقائع حصلت أمامي ذكرتني بكل ما حدث لي لأسرد هذه القصة التي تمنيت لو كانت أطول مما خرجت عليه لكنني في نفس الوقت خشيت أن تفقد عامودها الفقري.

عُرف عن سليمان عرار أن مظهره الخارجي عابس وجاد جداً في الوقت نفسه تجده مرحاً ومحباً للنكت وجلسته ممتعة.

يُسجل لأبي محمد بأنه رجل المهمات الصعبة والمواقف الجريئة فهو لم يجامل على حساب وطنه بل ظل الأردن هاجسه الدائم والدائب المتجدد يعشق العمل ويقدس تراب هذا الوطن.