‏إظهار الرسائل ذات التسميات 1930. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 1930. إظهار كافة الرسائل

فهد مقبول الغبين

|0 التعليقات
فهد الغبين

شكلت البادية الأردنية، من خلال تاريخها الحضاري، وعشائرها الأصيلة منبع الفرسان الأشداء، الذين شهدت لشجاعتهم وإقدامهم ساحات والوغى، وسجلات البطولة التي أثارت عجب وإعجاب العدو والصديق، فلقد ارتبط أبناء العشائر الأردنية، التي انتشرت في عمق البادية وفي بؤر المدن والحواضر، بسمات الرجولة وبالتاريخ الحديث الذي أندغمت فيه هذه العشائر بالحروب والثورات، كثورة الكرك والثورة العربية الكبرى، ومواجهة الغزوات الوهابية، وهي الإرهاصات التي مهدت الطريق لتأسيس إمارة شرق الأردن، ورسوخ أقدامها بسرعة لافتة للانتباه، حيث كان للعشائر دور محوري في بناء الدولة الأردنية ولا زالت، حيث شكل أبناؤها العمود الفقري للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – بالإضافة للأجهزة الأمنية المختلفة، وهي المؤسسات التي وقع على كاهلها حماية الوطن وتوطيد الأمن.

يعد المقاتل البطل فهد مقبول الغبين، واحداً من أبرز ضباط الجيش العربي، الذين كتبوا ببسالتهم وحرفيتهم صفحات من المجد الوطني الخالد، والذين تمكنوا من حماية حدود الوطن، مقدمين في سبيل الأرض والكرامة الغالي والنفيس، فحظوا للأجيال القادمة التمتع بحاضر غني، وبمستقبل واعد في كل مناحي الحياة. وكانت ولادة فهد مقبول الغبين في شهر آذار عام 1930، مع دخول العقد الثاني من تأسيس الدولة الأردنية، حيث ولد في قرية أم العمد وهي من أبرز قرى قبيلة بني صخر، وهي القبيلة ذائعة الصيت في المنطقة، ولعبت دوراً مؤثراً في الأحداث منذ القرن الثامن عشر، وقدمت زعامات عشائرية ورجالات دولة في مختلف المجالات، وكان نصيب الجيش العربي من هؤلاء المقاتلين الشجعان وافراً، فقد كان لطبيعة البدو في التنقل المستمر من أجل المراعي والماء، والظروف الصعبة التي يربى وينشأ فيها الأطفال الذكور، تكسبهم صلابة في العود، وشجاعة في المواجهة، قدرات مبكرة في الاعتماد على النفس، لذا فقد صدف وولدته أمه والعشيرة في رحيلها الموسمي، حيث تابعت المسير بعد الولادة.

نشأن فهد مقبول الغبين في محيط عشيرة دائمة الترحال، وتشرب العادات البدوية الأصيلة، وتحمل صعاب هذا النمط في العيش باكراً، فقد تحركت عشيرته حتى الموصل في العراق، والجوف في السعودية، وبادية الشام وصولاً إلى أطراف مدينة دمشق، وقد أتاحت له هذه الظروف فرصة نادرة لمن هم في مثل ظروفه، في الحصول على فرصة التعليم المتوسط، دون أشقائه وأبناء عشيرته، عندما أقامت عشيرته في مضارب قبيلة الشعلان على مقربة من مدينة دمشق، فالتحق بالكتّاب في مضارب الشعلان، وبعد أن أخذ قسطاً من هذا التعليم الأولي، أنتقل للدراسة في المدرسة الابتدائية ومن بعدها المترك، في مدرسة منطقة دومة الواقعة شرق مدينة دمشق، وقد تطلب منه ذلك المسير ستة عشر كيلومتراً يومياً، بين مضارب عشيرته وموقع المدرسة، وما من شك أن هذا الواقع علمه الصبر والصلابة والقدرة على التحمل.

رغب فهد الغبين بالانتساب للجيش الأردني وهو لم يزل في سن صغير، وكان معه مجموعة من أبناء عشيرته، وعندما قصدوا لجنة التجنيد في معسكر التدريب في ماركا الشمالية، رفضتهم اللجنة لصغر سنهم، لكنهم أصروا على الالتحاق بالجيش، وباتوا عدة ليالٍ بالقرب من الأسلاك الشائكة للمعسكر، محاولين عدة مرات مع اللجنة التي كررت رفضهم، حتى ساعدهم ضابط من قبيلة بني صخر – الملازم زعل ارحيل الزبن – الذي عرف قصتهم، وساعدهم في الانتساب للجيش العربي الأردني، وكان ذلك في نهاية شهر آب عام 1945، وقد انتظم في التدريب العسكري المكثف والصعب، في معسكر ماركا الشمالية حتى شهر تشرين الثاني، حيث نقل بعدها إلى معسكر التدريب الشتوي في الشونة الجنوبية، وبعد مرحلة التدريب نقل إلى كتيبة المشاة الثالثة في مدينة حيفا بفلسطين، وهناك التحق بسرية المدرعات الأولى. لم يأخذ إجازة لرؤية أهلة منذ التحاقه بالجيش حتى قرابة منتصف عام 1946، وكان الجنود يعرفون بأماكن تنقل عشائرهم من إذاعة الشرق الأدنى، فيذهبون للبحث عنهم في تلك المناطق في الإجازات المتباعدة.

ساهم فهد الغبين بتدريب المناضلين الفلسطينيين، بعد أن أمرهم الملك عبد الله الأول دون علم الإنجليز، وبتزويدهم بالسلاح المتوفر والمؤن، وقد عمل على إيصال القوافل إلى يوسف هيكل رئيس بلدية حيفا، ويذكر الغبين أن قوات الجيش الأردني خاضت مع المناضلين عدة معارك قبل حرب جيش الإنقاذ العربي عام 1948، من هذه المعارك: معسكر بيت نبالا، معركة صرفند، النبي يعقوب، معسكر رتنبرغ، حي القطمون وكفار، وقد شارك الغبين في معارك عام 1948، وأبلى فيها بلاءً حسناً، وكان له شرف القتال مع زملائه من أبطال الجيش الأردني في القدس، حيث جرح في هذه المعركة في شارع « مشيرم « في القدس، وأصر على العودة للقتال قبل شفائه بشكل تام، وقد سجل في كتاباته ومذكراته بطولات رفاقه الجنود والضباط من أمثال: زعل ارحيل، بادي عواد، سمارة الحميدي، سعد طرجم، وحابس المجالي وغيرهم الكثير.

أسهم فهد الغبين في تشكل القوة ( ج ) في منطقة أم الرشراش على خليج العقبة، التي كانت أرضاً أردنية، وقد دافعت هذه القوة عن المنطقة حتى وادي عربة، وللأسف تمكنت القوات الإسرائيلية من احتلال الميناء، بسبب تفوقها العددي وتسليحها الحديث، وأصبحت تعرف بعد ذلك بايلات، المنفذ الإستراتيجي لإسرائيل على البحر الأحمر، بعد ذلك استمر مع الكتيبة الثالثة المتمركزة في جنين حتى نهاية عام 1949، عندما أسندت إلى مجموعة من الضباط والجنود مهمة تشكيل كتيبة المدرعات الأولى في منطقة الزرقاء، وفي الأول من تموز عام 1950، أرسل في دورة المرشحين الأولى في منطقة العبدلي، مع مجموعة من خيرة مقاتلي الجيش العربي، وقد قام جلالة المغفور له الملك عبد الله الأول بن الحسين بتخريج الدورة في الخامس عشر من شهر نيسان عام 1951، وحدد مركزه الجديد في كتيبة المشاة الثانية.

وقف فهد الغبين مع مجموعة من الضباط، في مواجهة بعض الإيديولوجيات الحزبية، التي كان لها مخططات مدعومة من الخارج، حيث عانت البلاد من مخاطر داخلية وخارجية عديدة، فكان لإخلاص وسهر هؤلاء الضباط دور كبير في استتباب الأمن، وإفشال هذه المخططات.

 ولم تكن علاقته بقائد الجيش كلوب باشا جيدة، ونتج عن تردي هذه العلاقة، أن أرسله كلوب في بعثة عسكرية إلى اليمن، التي كانت تعاني من مشاكل كبيرة، وقد كان له دور في تأسيس الجيش في جنوب اليمن، وتدريب جنوده وضباطه، وكان لهذه التجربة التي استمرت سنتين، أثرها العميق في نفسه، فقد أضافت له خبرات كبيرة وفي مختلف الميادين، وعمل على تحريض الضباط اليمنيين للإضراب ضد الإنجليز لتحصيل امتيازات يستحقونها، فقاموا بالإضراب مما أضطر الإنجليز أن يستجيبوا لمطالبهم.

في معركة السموع الشهيرة، والتي جرت في شهر كانون الأول عام 1966، قاد كتيبة عبد الله بن رواحة / لواء حطين، وخاض معركة شرسة مع القوات الإسرائيلية، واستشهد مساعده الرائد محمد ضيف الله الهباهبة، وقد وثق لبطولات رفاقه في هذه المعركة. وعندما اندلعت حرب عام 1967، كانت كتيبته – عبد الله بن رواحة – في قطاع بيت لحم الخليل، حيث رفض فهد الغبين أوامر الانسحاب في وضح النهار، وصمد وماطل حتى حلول الليل، وقام بالانسحاب دون أن يخبر جنوده، حتى لا يصيبهم الإحباط ويفقدون معنوياتهم، وذلك بأن أخبرهم بأنهم يتجهون إلى القدس، وعندما أتم انسحابه من الخليل بأقل الخسائر، ولم يترك خلفه الجرحى أو أحداً من الشهداء، أخبرهم بضرورة الانسحاب التكتيكي إلى شرق نهر الأردن، فأصيب الجنود بالإحباط والحزن. وفي معركة الكرامة كان كتيبته في محور الكرامة – سويمة، وتمكنت هذه الكتيبة بسبب كثافة النيران، ودقة الإصابة من منع العدو من العبور، حيث تم تثبيته غربي النهر، وواجهت الكتيبة الاختراقات الأخرى، والتحمت مع العدو وكبدته خسائر جسيمة.

في عام 1969 تم ترفيعه إلى رتبة عقيد، وعين آمراً لمركز تدريب ( 51 ) في المفرق، ومن ثم آمر مركز تدريب ( 91 ) في خو، وفي عام 1970 أوكلت إليه مهمة تشكيل حامية منطقة المواصلات، وعين قائداً لها، وشغل بعد ذلك عدة مناصب عسكرية، فعين مساعداً لقائد الجيش الشعبي، ومساعداً للحاكم العسكري في الزرقاء، وضابط ارتباط الجيش العربي الأردني مع القوات العراقية، كما كان عضواً في القيادة العربية الموحدة، بعد ذلك أحيل على التقاعد في الخامس من آذار عام 1972. وقد استثمر معارفه الواسعة وثقافته التي حصلها على نفسه، بأن كان ناشطاً في عدد من المجالات خاصة في التوثيق العسكري، والعرف العشائري والعادات الاجتماعية، فحضر عدداً كبيراً من المؤتمرات الداخلية والخارجية، وتميز بإحصاء وتوثيق شهداء الجيش العربي، وقدم بحثاً في الجامعة الأردنية عن العرف العشائري بين الشريعة والقانون، كما ألف عدداً من الكتب المهمة: السويقة عند العرب 1984، حروب الماء ونزاعات الشرق الأوسط للعشر سنوات القادمة 1989، الإستراتيجية عند العرب 1998، من فيض الخاطر 2003، ومذكرات محارب 2008. توفي المقاتل البطل فهد مقبول الغبين في التاسع والعشرين شهر أيلول 2009، تاركاً إرثاً خالداً وذكراً طيباً يبقيه حياً بيننا.

مريود مصطفى وهبي التل ... رجل لن ينساه التاريخ

|0 التعليقات
مريود التل
يعد الحديث عن شخصية المرحوم مريود مصطفى وهبي التل حديثا عن إحدى الشخصيات الوطنية والقومية المعروفة والتي تركت بصمات لا تنسى في جميع المواقع والمناصب التي شغلها خلال قيامه بواجبه أثناء خدمة وطنه ومليكه. 

ولد السيد مريود التل في مدينة إربد عام م1930 ومن الجدير بالذكر أن اسمه جاء نسبة للمجاهد أحمد مريود أحد قادة الثورة السورية. وقد تلقى تعليمه في المرحلة الابتدائية في مدينة السلط عام م1936 ثم انتقل بعد ذلك إلى مدارس عمان لمتابعة دراسته والعودة ثانية إلى السلط ثم إلى مدينة إربد ليكمل المرحلة الثانوية فيها. 

وبعد أن أكمل المرحلة الثانوية عَمًلَ مدرساً لمدة عامين في مدرسة الصريح وذلك عام 1950 لينتقل بعد ذلك إلى وزارة الاقتصاد ليعمل فيها بعد ذلك سافر إلى بريطانيا لمتابعة دراسته الجامعية فدرس السياسة والاقتصاد حيث حاز على دبلوم في التعاونيات من كلية لفترة في انجلترا ثم عاد إلى الأردن عام م1956 وقد واصل العمل في وزارة الاقتصاد ثم أعيد للعمل في وزارة التخطيط ثم في وزارة الخارجية حيث تم إرساله في بعثه إلى أميركا حصل خلال وجوده هناك على شهادة الماجستير مع مرتبة الشرف في الاقتصاد من جامعة بتسبرغ وتابع الدكتوراه إلا أن مدة البعثة قد انتهت قبل مناقشة أطروحته والتي كانت تحمل مسمى "دور المعونات الدولية والخارجية في تنمية بلدان العالم الثالث" وذلك عندما اضطر رئيس الوزراء الأسبق بهجت التلهوني لإعادة السيد مريود التل إلى الأردن لحاجة وزارة الخارجية له. 

نشأ السيد مريود التل في بيت شاعر الأردن الكبير مصطفى وهبي التل ذلك البيت الذي كان الشعر والأدب أهم أركانه فعرار كان دائم البحث عن الحق والعدالة وقد تحدث المؤرخ محمود عبيدات في شخصية عرار قائلاً: يعد مصطفى وهبي التل صاحب الكلمة الموقف بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني الرجولة وشرف الانتماء. فقصائده رافضة لكل ما هو مألوف لدى البعض وخارجة عن قوانينهم ، وثائرة ضد تقاليدهم وأعرافهم والقصيدة عنده متحركة أبداً وناقمة أبداً ، ومنهمكة في كثير من الأحيان والكلمة داخل البيت لها قالبها الخاص ونكهتها المميزة ، فلقد كان دائم البحث عن الحق والعدالة وكان دائماً صادقاً في حديثه مؤمناً إيماناً قوياً بمبادئه وآرائه ، مدافعاً عنها بقوة الرجال ، وصدق المناضلين وكان يحس بالحاجة الماسة إلى تغيير أنماط الحياة المعيشة والاجتماعية وتعب كثيراً في سبيل إيقاظ الحس بالظلم ، فاصطدم مع الكثيرين مرات عديدة ، لأنهم لا يرون في أفكاره خدمة لمصالحهم بل هي الضد لأهوائهم وطموحاتهم غير المشروعة ، كان طرفاً قوياً في عملية تطوير الوعي والحس الاجتماعيين ، إيماناً بدور الأديب كواحد من أرقى وسائل الاتصال بالشعب فكان بحق الشاعر الذي خلَّد في شعره حب الوطن وتغنى بربوعه ومجَّد أبطاله. 

وهو بحق الشاعر الذي ملأ الحياة الأردنية بروائع الإبداع حتى أصبح في مقدمة شعراء الرؤية الكبار حر الفكر والتفكير جريء الرأي والموقف ، لا يخاف في قول الحق لومة لائم ، فأتاحت له مناصبه في الداخلية والعدلية ، والقضاء ، الوقوف المباشر على معاناة الناس من أبناء بلده فكان سيفهم الذي لا ينكسر. 

وقد تأثر مريود التل بوالده الشاعر الكبير عرار وحول ذلك تحدث قائلاً: لقد تأثرت بوالدي كثيراً خاصة أنني كنت قريباً منه حتى آخر أيام حياته فأخذت عنه جرأته وصراحته ووضوحه وقد كنت فخوراً به وأضاف قائلاً: أهم ما في شعر "عرار" أن يعني الارتباط بالأرض والمكان هذا شيء أساسي للتعلق بالأرض و"عرار" يتحدث من خلال شعره عن مواقع في الأردن وميزته أنه ربط نفسه بالأرض التي هي أساس كل شيء في الحياة. 

وأن ما ذكره عرار في شعره من أماكن أردنية لم يكن من الممكن أن يعرفها أحد إلا من سكن فيها وقد أشهرها للناس فهو أول من ذكر "رم" التي أصبحت لها أهمية سياحية وقد حلل "عرار" واقع المجتمع الأردني والوضع السياسي الذي يسود هذا المجتمع ومن يقرأ شعره يجد أنه ينطبق تماماً على واقعنا الحالي. فأشعاره كلها تعجبني لا أجد هناك من قصيدة أفضًّلُها على الأخرى لأن لكل منها مناسبة وهدفاً ووراء كل منها قضية وواقع. 

والسيد مريود التل هو شقيق رئيس وزراء الأردن الأسبق الشهيد وصفي التل الذي يعد رمزاً من رموز الهوية الأردنية أسهم بصناعتها والتعبير عن وجدانها سياسياً وثقافياً واجتماعياً واعياً باستمرار للوحدة بين الأقطار العربية وخاصة أقطار بلاد الشام ولا أحد منا ينسى الدور الذي لعبه الشهيد وصفي التل في الدفاع عن الدولة الأردنية ومسيرتها وبناء مؤسساتها والحفاظ على نظامها السياسي وحمايته ، فقد غرس في عقول الأردنيين وقلوبهم العديد من القيم الوطنية والإنسانية التي تعزز روح الانتماء والولاء للوطن وقيادته الهاشمية المجيدة كما عُرف عنه تميزه بذكاء وحكمة ووعي سياسي ، ويتجاوز في أغلب المرات الظروف والأحداث آنذاك. 

وقد تحدث دولة السيد أحمد اللوزي في شخصية الشهيد وصفي التل قائلاً: وصفي الشهيد رحمه الله ولد مع مولد الأردن فتصوروا هذه البداية العظيمة ، مولد إنسان فارس مع مولد وطن عظيم عزيز ، ووالله منذ ولد الوطن ما كان وطن الأردنيين وحدهم ، ولا كان وطن السوريين وحدهم ، ولا كان وطن المسلمين وحدهم بل كان وطن الرسالة ووطن النهضة ووارث النهضة والرسالة. 

أما حب وصفي للأرض وللناس في هذا الوطن ، فهو مجبول على المحبة رقيق الأحاسيس ، عفوي التصرف مع كل الناس ، رقيق الحاشية تطيب الحياة معه وتزهو به حبه للأرض عشق ، لماذا هذا العشق؟ رحم الله شاعر الأردن عرار ، لم يترك جبلاً ولا سهلاً ولا غوراً ولا بادية ولا مدينة ولا حاضرة إلا تغزل بها ، ولا عشباً ولا خربوشاً ولا نواراً ولا دحنوناً ولا زعتراً إلا وتغزل به وعشقه. 

عُرف عنه أنه كان رجلاً مؤمناً بأمته وبوطنه إيماناً عميقاً ، لم يهتز لحظة واحدة أو ينتابه الشك في أحلك الأيام ، آمن بالعقل البشري فلم تصل إلى قناعته أية قضية إلا وخضعت لتحليل عقلاني شامل وقد صمد وكافح ضد جميع الشعارات التي انتهت بتضليل الجماهير العربية حيث كان رجل دولة واضح الرسالة صادقاً في كل مواقفه وأقواله مما جعله قادراً على تحمل مسؤولياته القيادية في تحقيق الأهداف المنشودة وحشد كل الطاقات اللازمة لها. 

في كل ذلك كان وصفي رمزاً وقدوة لشقيقه مريود التل الذي كان دائماً يفتخر ويعتز بتاريخه المشرف. تقلد السيد مريود التل العديد من المناصب الحكومية الرفيعة وشغل مجموعة من الوظائف فقد عمل مدرساً ومديراً لمدرسة ابتدائية ومحاسباً بوزارة الاقتصاد ومجلس الإعمار ثم شغل منصب رئيس قسم المنظمات الدولية بوزارة الخارجية ، وفي عام 1966 أصبح رئيساً للجنة الاقتصادية والاجتماعية في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. 

وفي 20 ـ 7 ـ م1967 عُين وزيراً مفوضاً في ألمانيا الغربية وذلك حتى 20 ـ 6 ـ 1968 حيث نقل للعمل في تونس. وفي 22 ـ 7 ـ م1970 أسند إليه منصب رئيس التشريفات الملكية وفي 29 ـ 10 ـ م1970 عُين أميناً عاماً للديوان الملكي الهاشمي ومن م1971 وإلى 1972 شغل منصب السكرتير الشخصي لجلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه. ليصبح بعد ذلك مستشاراً اقتصادياً لجلالة الملك ثم عَمًلَ رئيساً لديوان الموظفين ومستشاراً لدولة السيد زيد الرفاعي ورئيساً للمنظمة التعاونية الزراعية. 

ساهم في تأسيس مجلة "الأفق" وذلك عام 1982 كما ساهم بتأسيس "الميثاق" عام ,1996 وفي عام 1954 عَمًدَ السيد مريود التل بالتعاون مع المحامي محمود المطلق على نشر كتاب والده عرار الذي يحمل مسمى عشيات وادي اليابس. 

كرَّس المرحوم مريود التل حياته للخدمات العامة وقد عُرف بصلابته ونظافة مسلكه وتصديه للفساد والمفسدين فهو سليل عائلة عريقة فقد عُرف عن عائلة التل والتي قطنت مدينة إربد بعد أن قَدًم جدهم من الحجاز وحل في مدينة عمان ثم نزحوا منها إلى مدينة إربد ، عُرفوا بأخلاقهم الكريمة وتمسكهم بالعادات الأصيلة فتجدهم يشغلون العديد من المراكز والمناصب القيادية في الدولة الأردنية. 

برز منهم العديد من رجالات الدولة الأردنية أمثال: شاعر الأردن الكبير عرار ، وابنه الشهيد وصفي التل ورائد الصحافة الأردنية المرحوم حسن التل ، وبطل معركة القدس عبد الله التل والمجاهد خلف التل ، وعبد القادر التل ، والمحامي عبد الرؤوف التل رئيس بلدية إربد الكبرى ورئيس التحرير المسؤول بجريدة الدستور الأستاذ محمد حسن التل. 

والسيد مريود التل أحد أفراد هذه العائلة الذي عُرف بإنتمائه لوطنه وأمته متأثراً بمواقف والده وسعيه الدائم لإحقاق الحق وتمسكه بموقفه وقضيته والدفاع عنها لذلك تجد والده شاعر الأردن "عرار" قد تعرض للكثير من النفي والسجن. 

ومما يجدر ذكره أن السيد مريود التل رفض المشاركة في إحدى الحكومات وذلك لقناعته بأن أي وزارة ليس لها برنامج عمل وأعضاؤها ليسوا ملتزمين ومتجانسين بالفكر والتوجه لا ينتظر منها أن تقوم بأي عمل جدي يستهدف الصالح العام. ل

قد قدم مريود مصطفى وهبي التل صفحة ناصعة في تاريخ الأردن والأمة العربية في كل عَمًلْ قام به وفي كل منصب تقلده فهو لم يبخل والأردن لم ينسه فسجَّله في سجل أبطاله ومبدعيه والوطنيين من أبنائه ، إن سيرة حياة مريود التل تُعًّلم أبناء الأردن كيف يكون الانتماء للوطن وللأمة وتعلمهم كيف يكون الصدق في شرح المواقف كونه يمثل الذاكرة الوطنية نظراً لما ساهم به في عملية النضال والبناء وفي هذا المقام نستذكر ما قاله دولة الأستاذ زيد الرفاعي عن إعادة قراءة تاريخ الأردن حيث قال: وإنه لما يبعث السرور في النفس ، أننا بدأنا نرى خلال السنوات الماضية ، جهوداً خيَّرة مباركة بذلت وما تزال ، من أجل إعادة قراءة تاريخ الأردن من خلال إحياء سيرة حياة أولئك الرجال الذين أسهموا في حمل أمانة المسؤولية وبناء الوطن ، ورفد مسيرته بكل ما لديهم من طاقات وإبداع وأخلاق ومروءات ، أينما كانت مواقعهم هؤلاء الرجال الذين لهم دور بارز وفاعل ومؤثر في تاريخ الأردن من خلال مشاركتهم في صنع الأحداث التي مرَّ بها الوطن. 

فلكل أمة تاريخ عظيم يصنعه العظماء من أبنائها فالحديث عن مريود التل هو حديث عن أحد الرجال العظام الذين كان عطاؤهم موصولاً فكان الهدف العام بالنسبة لهم هدفاً سامياً يؤدونه لخدمة وطنهم فهو السهل الممتنع فمن السهل ذكر شخصيته النقية والقوية وخلقه المستقيم الذي أصبح مشهوداً له به ولكنه كان الممتنع في التحدث عن نفسه أو الترويج لها. توفي أبو طارق في آذار عام م2004 عن أربعة وسبعين عاماً قضاها في خدمة وطنه والذود عن حماه.