‏إظهار الرسائل ذات التسميات من رجالات المفرق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من رجالات المفرق. إظهار كافة الرسائل

السيد د. عبد الله نويفع الشديفات ... شكر وعرفان

|0 التعليقات
خولة الطيب - المفرق - الأعوام تنصرم ... والأيام تتوالى ... والأقدار المجهولة فلا ندري متى نقدم الى الله تعالى ؟ في احرانا بوقفة صادقة نستجلي فيها حياتنا ووقفاتنا وأعمالنا نتأمل فيها دقائق اعمالنا وصغائر أخطاؤنا . 

فما هي إلا أيام قليلة وسنقف على مشارف نهاية هذا العام الميلادي بما حمله لنا من ثقل وراحة ، من حزن وسرور ، من تشاؤم وأمل ، إلا أنه يبقى لنا بصيص أمل نرى من خلاله اشراقة شمس ترنو لتضيء مكان بأكمله . فلتكن هذه الاشراقة أشخاص مجهولون اصروا وعزموا إلا أن يرسمو الابتسامة والفرحة والتفاؤل على وجوه الآخرين من خلال مد يد العون لهم . 

اخص بذكري السيد د. عبد الله نويفع الشديفات ذاك الاب الروحي لكل مواطن محتاج . فلم يغلق بابه بوجه أحد وما من يد امتدت له الا كان لها عونا وسندا. 

ففي هذا العام أنشأ السيد عبد الله الشديفات مؤسسة " عبد الله نويفع الشديفات للتنمية الفكرية وخدمة المجتمع المحلي " لتكون رائدة في مجالات شتى منها نشر الوعي والثقافي والحضاري للمواطنين من كافة انحاء المملكة . وقد امتدت رؤاه في انشاء هذه المؤسسة لتتخطى الوعي الثقافي والحضاري فقط بل وساهمت بمساعدة الكثير الكثير من المحتاجين . 

فلم يغب عن فكره الأيتام اللذين هم بحاجة لحضن دافئ فدعاهم إلى حفل افطار قد أقامه في رمضان الماضي ليشاركهم حلاوة لحظة الافطار التي ينتظرها كل صائم ، وساهمت المؤسسة أيضا في نشر البسمة والابتهاج لمرضى السرطان في مستشفى الأمل ، ولم يتعدى خيره إلى أولئك المحتاجين فقط بل بحث عن من هم بحاجة لأكثر من ذلك للمساعدة ولكنهم اكتنفو ثوب الاستحياء من السؤال . فاستطاع السيد عبد الله أن يصل اليهم ويمدهم بجميع الأدوات الكهربائية التي هم بحاجتها ، فقدمها لهم كهدية العيد من محلات ( عبد الله نويفع للمفروشات ) وامتد عطائه ايضا للتواصل مع طلابنا الأعزاء ورأى بهم اشراقة مستقبل أردننا الكريم فقدم لهم الحقائب المدرسية ممتلئة بالأدوات القرطاسية اللازمة . وغير ذلك أكثر 

لكم هو جميل وجود أمثالك في وطننا الحبيب الغالي ليساعد بعضنا الآخر ليمسك كل منا الأخر لنقف في وجه الأزمات الحياتية . 
فعلى صاحب النظر النافذ أن يزود من نفسه لنفسه ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه ومن صحته لمرضه فما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا سوى الجنة والنار ، ومن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه وما بينه وبين الناس من صدق في سريرته حسنت علانيته . 
جعله في ميزان حسناتك .

المجاهد الشيخ عبد الحميد حميدي الدخيل النميري النعيمي .. أحد قادة الثورة العربية الكبرى

|0 التعليقات


شكلت الفترة الزمنية الممتدة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حتى منتصف القرن العشرين، ميداناً خصباً لبروز عدد من المجاهدين العظام، الذين تحملوا أعباء المرحلة الصعبة، وقدموا أرواحهم قبل أموالهم، دفاعاً عن الأمة وصوناً لكرامتها، من خلال النضال المسلح من أجل استقلال البلاد العربية، وصناعة مستقبل أفضل للعرب في وطنهم الممتد، وقد شكلت بلاد الشام وحدة جغرافية واجتماعية، جعلت منها كياناً موحداً على مر التاريخ، وقد سمح هذا الواقع الثري، لحراك ديموغرافي واسع النطاق، ويعد سهل حوران مع هضبة الجولان حتى منطقة مرجعون، نطاقاً جغرافياً وبشرياً حيوياً واحداً، حتى أن عدداً من رجال هذا الإقليم، طالبوا بالانضمام إلى الأردن، والخلاص من قبضة الفرنسيين، وقد كان لمجاهدي الأردن دوراً بازاً في المقاومة الشعبية في سوريا ضد فرنسا، واستشهد عدد منهم في المعارك الطاحنة التي خاضوها، دفاعاً عن الأرض العربية، وقد استضافت بلدات وقرى الشمال الأردني، الثوار العرب الملاحقين من قبل المستعمر، فالتحمت الأرواح وتوحدت المصائر، فكانت الأردن الداعم والحامي والسند.

يعد المناضل عبد الحميد النعيمي، واحداً من أولئك المجاهدين الكبار، الذين صدقوا عهدهم وما بدلوا ولائهم، حتى عد مثالاً فريداً للفداء والتضحية من أجل الوطن، وهب للدفاع عن بلداته ومدنه، بغض النظر عن المخاطر المحدقة، وبعد المسافة عن مسكنه، فقد كان يرى أنه لا يمكن حماية البيت دون حماية الوطن الكبير.  ولد المناضل عبد الحميد النعيمي عام 1894، في الزمن الحرج، حيث تستعد المنطقة لأحداث جسام غيرت شكلها حتى اليوم، وتربعت قريته ومسقط رأسه ( إسبته ) على ربوة من ربوات هضبة الجولان، على مقربة من مدينة القنيطرة، وكانت عشيرته من العشائر البدوية المشهود لها بالفروسية والكرم، والحراك في المنطقة المحيطة، وقد تربى عبد الحميد على الفروسية والشجاعة، وحمل السلاح من سيف وبندقية منذ نعومة أظفاره، وقد تلقى تعليماً أولياً من خلال الكتّاب، حيث تميز بالذكاء والفطنة، والسرعة في التعلم واكتساب المعارف، وقد أتيحت له الفرصة فيما بعد ليلتحق بمدرسة التجهيز في دمشق.

 كان عبد الحميد النعيمي من بين الطلبة الملفتين للانتباه، فقد وقع عليه الاختيار، مع عدد من الطلبة العرب من قبل الحكومة التركية، ليدخل الكلية الحربية في اسطنبول، فسافر بناءً على ذلك إلى عاصمة الإمبراطورية العثمانية، ودخل الكلية الحربية عام 1916، وتلقى علومه العسكرية فيها، وخدم في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، مع عدد من الضباط العرب، منهم محمود الفاعور وأحمد مرويد وعلى خلقي الشرايري، وقد بقي في اسطنبول حتى خروج القوات التركية من بلاد الشام عام 1918، حيث عاد بعدها مع زملائه إلى دمشق وانضم للجيش العربي الشمالي، التابع للحكومة العربية التابعة للملك فيصل بن الحسين، بعد انتصار جيش الثورة العربية الكبرى على الأتراك، وكانت عشيرة النعيمي وعشائر المنطقة المحيطة، قد عملت على تسليح جيش الثورة العربية، من خلال جمع التبرعات، وبيع حلي النساء، بالإضافة لتطوع عدد من المجاهدين للقتال مع جيش الثورة العربية الكبرى.

عمل عبد الحميد ضمن الجيش الفيصلي في مدينة درعا، التي شهدت إعادة تشكيل وتنظيم القوات العربية، عاد بعدها إلى دمشق ليشهد إعلان المملكة العربية واعتلاء الملك فيصل العرش، غير أن الفرنسيين هاجموا سوريا، وتمكنوا من دخول دمشق في أعقاب خسارة العرب لمعركة ميسلون عام 1920، التي خاضها عبد الحميد بكل شجاعة، وقد نجا بأعجوبة خلال المعركة، وقام بالإشراف على سحب قوات اللواء السادس، تحت القصف الشديد، واضطر عبد الحميد إلى مغادرة قريته مع أفراد عشيرته، بعد أن خاضوا معركة حامية، مع القوات الفرنسية في منطقة مرجعيون، حيث قرروا الانضمام للأمير عبد الله بن الحسين، الذي وصل مدينة معان على رأس قوة عسكرية، تلبية لدعوات رجالات بلاد الشام، وقد كان عبد الحميد من بين مستقبلي الأمير عبد الله في معان، وخلال ذلك وضع هو ورفاقه الأمير بواقع العمليات العسكرية ضد الفرنسيين، وقد طلب الأمير استمرار مشاغلة المستعمرين على أطراف نهر اليرموك، حيث قامت القوات الشعبية من قرى الشمال الأردني وقرى حوران والجولان بمهاجمة الفرنسيين في الزوية والاستيلاء عليها ومعاقبة الخونة، لكنهم انسحبوا بتوصية من علي خلقي الشرايري، بعد أن علم بتقدم قوات فرنسية كبيرة باتجاههم.

أنظم عبد الحميد النعيمي إلى الأمير عبد الله، الذي وصل مدينة عمان، وعمل على تأسيس إمارة شرق الأردن، وقد أسهم النعيمي بتأسيس نواة الجيش العربي الأردني، الذي عد نواة لجيش عربي كبير، من أجل تحرير الأرض العربية، وساعد في جمع الأموال لتسليح الجيش، وقد باع جواهر وحلي نساء عشيرته من أجل ذلك، وكان من بين هذه الأسلحة المدفع الموجود حالياً أمام قصر رغدان، وقد تركت هذه الواقعة أثراً طيباً في نفس الأمير عبد الله بن الحسين، وكان النعيمي قد دخل الجيش برتبة ملازم أول، وبعد ذلك تم ترقيته إلى رتبة رئيس _ نقيب _ حيث أمضي في الجيش مدة أربع سنوات، غير أن الفرنسيين استمروا بملاحقته، والمطالبة بتسليمه لتنفيذ حكم الإعدام بحقه، وهو حكم أصدرته المحكمة العسكرية بحقه غيابياً، أعقاب معركة الزوية، وقتل حاكمها وعدد من جنود فرنسا، وقد هدد الفرنسيين المندوب السامي البريطاني باتخاذ إجراءات حازمة في حال عدم تسليمه لهم، فقام البريطانيون بتسليمه لهم عن طريق درعا، حيث نقل إلى سجن القلعة، وتم إعادة محاكمته من جديد، وطالت فترة محاكمته إلى مدة أربع سنوات، حيث صدر عفو عام عن السجناء السياسيين، فأفرج عنه ووضع في الإقامة الجبرية في مسقط رأسه ( إسبته ).

عمل المناضل عبد الحميد النعيمي، على دفع أبنائه للانضمام للجيش الأردني، فكان أن حملوا جميعهم شعار الجيش العربي، وبقي النعيمي وطنياً صلباً، ويناضل في كل المواقع، فكان من المناهضين للانتداب البريطاني، ومن المعارضين لمعاهدة عام 1928، وكان ولاؤه لقيادته الهاشمية ولاءً مطلقاً، عبر عنه بشكل عملي طوال سنوات عمره الطويلة، واستمر قابضاً على جمرة الانتماء للأمة والأرض العربية، وربى أولاده على الشجاعة وحب الوطن، وقد استشهد أبنه موسى في القدس خلال معارك الجيش الأردني على أسوار القدس في حرب حزيران عام 1967، ولم يزده ذلك إلا فخراً وعزة، وهو من رهن شبابه وكهولته خدمة لقضايا أمته، ولم يتخلى عن دوره النضالي في مرحلة من الراحل، فحمل السلاح في معارك مختلفة، وقاتل في سوريا وفلسطين ولبنان، وشارك علي خلقي الشرايري، في السفر إلى الهند للعمل على الإفراج عن الضباط العرب الذين أسروا في معركة ( كوت العمارة ) في العراق عام 1915، ونقلوا إلى المعتقلات البريطانية في الهند، حيث تم نقلهم إلى مصر، من أجل إعادة تدريبهم، لضمهم إلى الجيش العربي الشمالي.

بعد مرحلة التدريب تم نقل أول كتيبة من هذه القوة إلى العقبة، وقد تم تثبيت رتبهم العسكرية عليهم، فاستقبل الملك فيصل في دمشق، كل من علي الشرايري وعبد الحميد النعيمي، وشكرهم على جهودهم الكبيرة، كما تجدر الإشارة إلى أن النعيمي، كان أحد ضباط الدرك الاحتياطي، الذي تم تشكيله في بداية مرحلة التأسيس، ووضع تحت قيادة القائد عبد الرحمن سليم، لكن هذه القوة لم تعمر كثيراً، حيث تم حلها وتشكيل القوة السيارة، التي ضمت مجموعة من أفضل الضباط منهم: عمر لطفي، صبحي العمري، عبد القادر الجندي، سعيد عمون، محمود الهندي، محمد النجداوي، حسين المدفعي، شكري العموري، منيب الطرابلسي، محمد جانبك، سعيد اسحاقات، عبد الكريم الحص، عبد الحميد النعيمي وأحمد التل.

لقد شكل المناضل عبد الحميد النعيمي، حالة فريدة تعددت صورها في تاريخ الأردن الحديث، فقد مثلت سنوات عمره التي تجاوزت الثمانون عاماً، صفحات ناصعة في سفر البطولة الأردنية، التي لا تقف عند حد أو مرحلة، وسيبقى عبد الحميد النعيمي في بؤرة الذاكرة على مر الأجيال، فلم يغب عنا رغم وفاته يوم الجمعة في الرابع من كانون الثاني عام 1974، حيث أقيمت له جنازة عسكرية شاركت فيها موسيقات القوات المسلحة، وكبار الضباط والفعاليات الرسمية والشعبية، وشيوخ ووجهاء العشائر من الأردن خارجه.

الشيخ حمادة سعود الفواز السردي

|0 التعليقات
حمادة الفواز

يعد الشيخ حمادة سعود الفواز، من الرجال القلائل الذين يذكرون عند الشدائد، وتبقى الألسن تلهج بذكرهم الطيب، فيخلدون في الذاكرة الوطنية، وفي الإرث الشعبي، وتنمو أفعالهم الخيرة كالصدقة الجارية، لا ينقطع أثرها أبد الدهر، فهو من بيئة الفرسان، المتصفين بأخلاق النبل والشجاعة والإيثار، ويعد من سلالة البدو الأصلاء، الذين لونوا البادية الأردنية بألوان العز، وكان لهم دور فاعل في تاريخ المنطقة، فلم يمنعهم حراكهم وتنقلهم نظراً لطبيعة حياتهم، من الذود عن مضاربهم، وحماية وطنهم من كل سوء.

  لقد أنجبت القبائل والعشائر الأردنية، على مدى تاريخها الطويل، رجالاً كباراً تركوا بصمات إنجازاتهم، على مراحل تاريخية مهمة، وكانوا فرسان مفاصل وأحداث جسام، تعرضت لها الأمة في هذه المنطقة، ولا شك أن الشيخ الفواز أنموذج رائع، يمثل هذا الواقع الماثل حتى اليوم.

ينتمي الشيخ حمادة الفواز إلى عشيرة السردية الأردنية، التي تمتد مضاربها على مساحة واسعة من البادية الشمالية الشرقية، وتتوزع على خمس قرى هي: صبحا، وصبحية، وسبع، وصير، والحرارة والزملة. تعد عشيرة السردية وعشيرة الصقر فرعان من قبيلة المفارجة، التي تعود إلى آل جليدان من مغيرة، من بني لام من طيء القحطانية، لعب رجال عشيرة السردية دوراً بارزاً في معارك الثورة العربية الكبرى، وقد تحركت مجموعة من فرسان العشيرة إلى العقبة وإلى منطقة الأزرق، حيث قابلوا قادة الثورة من الأشراف الهاشميين، وأوكلت لهم مهمة تفجير أجزاء من خط سكة حديد الحجاز، بالإضافة لدورهم بالمساهمة بجهود بناء الدولة الأردنية الحديثة، والمشاركة في ثورة حوران وجبل العرب ضد الفرنسيين.

ولد الشيخ حمادة الفواز، في قرية صبحا في محافظة المفرق، وكانت ولادته عام 1938، وكان والده سعود الفواز شيخ مشايخ عشيرة السردية، وكان شيخاً وقاضياً عشائرياً ذاع صيته داخل الأردن وخارجه، وكانت له مكانة كبيرة بين شيوخ ووجهاء بلاد الشام، وقد نشأ حمادة الفواز في كنف والده، وتعلم منه ما لم يتعلمه من مصادر المعرفة المعروفة، فقد نهل من ديوان والده في « الشق «  في بيت الشَعر، وهو المكان المخصص لاجتماع الرجال من العشيرة والضيوف، وطلاب الحق وأصحاب الحاجة، فتعلم الحكمة والحلم، وكيفية حل المشاكل والقيام على خدمة الناس، وتعلم أساسيات القضاء العشائري، الذي يعد تراثاً عشائرياً حياً، ما زال ينهض بمسؤوليات كبيرة، ويحسم الخلاف في قضايا بالغة التعقيد، والذي يقوم مقام مؤسسة القضاء المدني، وللقضاة العشائريين مكانة مرموقة في المجتمع ولدى مؤسسات الدولة.

درس الفواز في الكتّاب، حيث تلقى بعض المعارف الأساسية، غير أنه تمكن من الالتحاق بالمدرسة، ولم يكن ذلك بالسهل اليسير، لقلة المدارس في تلك الفترة، رغم المصاعب التي أحاطت به في سبيل الدراسة، إلا أنه تمكن من الدراسة حتى الصف الأول الثانوي، حيث دخل بعدها جامعة الحياة، التي أكسبته معارف وخبرات واسعة، يصعب الحصول عليها من الجامعات الأكاديمية، وقد واجه في طفولته وشبابه قسوة حياة البادية، فاتسم بصفات الرجولة والفروسية منذ نعومة أظفاره، وقد مهدت له هذه التربية، ليكون مستعداً للمهام الكبيرة التي ستلقى على كاهله، فقد توفي والده الشيخ سعود الفواز عام 1965، الذي كان عضواً في مجلس الشعب السوري خلال الفترة من عام 1946 وحتى عام 1949، فتسلم حمادة مشيخة العشيرة خلفاً لوالده، وهي في سن الثامنة والعشرين من عمره، ولم تكن هذه بالمهمة السهلة، لكنه كان قد أعد العدة لها منذ طفلته، وقد تميز كزعيم عشائري، بالشجاعة وقوة الشخصية وبالذكاء الحاد، كما عرف بجنوحه للعفو والصفح والرحمة، وإفشاء المحبة بين الناس.

كان الشيخ حمادة الفواز، من رجال الصلح وحقن الدماء، ومن الذين بذلوا صادق جهودهم من أجل صون الأعراض، وحفظ الحقوق، والدفاع عن الوطن الغالي، فكان إصلاح ذات البين شغله الشاغل، حيث قصده طلاب الحق في القضاء العشائري، من أبناء العشائر من داخل الأردن وخارجه، فقد تميز بتحريه العدل، والحكم بالحق، وإحلال الصلح مكان النزاع والصدام، فكانت أحكامه تقابل بصدر رحب، ويخرج راضياً صاحب الحق والمحقوق، وكانت مؤسسات الحكم المحلي، تحيل إليه القضايا الشائكة والمعقدة، فيعمل على البت فيها، بكفاءة مشهودة، ومقدرة تثير الإعجاب، مما جعله محط الثقة ومعقد الأمل، لدى الحكومة والناس، وعمل على خدمة المجتمع المحلي، فبذل جهوداً مع وزارات ومؤسسات الدولة المختلفة، من أجل الارتقاء بالخدمات العامة للبادية الشمالية، كتوفير المراكز الصحية، وزيادة عدد المدارس للذكور الإناث، بالإضافة إلى جهوده في شق الطرق، وتوطين البدو، ودعم مربي الإبل والمواشي، وتحويل جزء كبير من أراضي البادية، إلى أراضٍ زراعية، من خلال حفر الآبار الارتوازية. 

ونظراً لحضوره القوي والفاعل، على ساحة المجتمع المحلي، وعلى الساحة السياسية، فقد تم انتخابه عام 1970، عضواً في مجلس الإتحاد الوطني، في فترة شديدة التعقيد من عمر الدولة الأردنية، وكان له دور في توحيد الصف الوطني، وتمتين الجبهة الداخلية، رغم صغر سنه في تلك المرحلة، وعندما صدرت الإرادة الملكية السامية، بتشكيل أول مجلس لشيوخ العشائر الأردنية، وقع الاختيار على الشيخ حمادة الفواز، ليكون أحد أعضاء هذا المجلس الخمسة عشر، وعمل هذا المجلس على خدمة أبناء العشائر، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة لهم، وتشجيع شبابها على التعليم العالي، ليسهموا في التنمية الشاملة للوطن، وقد منح هذا المجلس مكانة خاصة للعشائر، التي أعدت رافعة حقيقية في بناء الدولة، وعماد القوات المسلحة الأردنية، التي حفظت الأردن من الاعتداءات والمؤامرات.

أصبح الشيخ حمادة الفواز، عضواً في مجلس الأعيان الأردني، بعد صدور الإرادة الملكية، بذلك في الأول من كانون الأول عام 1974، ليكون أصغر أعضاء مجلس الأعيان منذ تأسيسه، حتى أنه كان أصغر من العمر القانوني، الذي نص على أن لا يقل عضو مجلس الأعيان عن أربعين سنة قمرية، وكان حينها في عمر السابعة والثلاثين، وفي هذا المجلس كشف عن وعي كبير، وقدرة واضحة في إنجاز مهامه، الناتجة عن فهمه العميق لعمل مجلس الأعيان إلى جانب مجلس النواب، في الرقابة والتشريع، وتطوير الأنظمة والقوانين، وبعد هذه المرحلة، تم تشكيل المجلس الوطني الاستشاري، حيث أصبح عضواً في هذا المجلس عن بدو الشمال، خلال دورتين متتاليتين، وذلك بين عامي 1978 و1982، وقد وظف في هذا المجلس خبراته الواسعة، في مجلسي الأعيان ومجلس الإتحاد الوطني، بالإضافة لخبراته العشائرية والإدارية، فكان من الأعضاء الناشطين، على صعيد العمل داخل المجلس، وفي لجانه المختلفة، وفاعلاً على الصعيد الوطني والاجتماعي، ودائم التحرك في منطقته وبين أهله.

شارك الشيخ حمادة الفواز في وفود برلمانية، إلى عدة دول كالإتحاد السوفيتي – سابقاً – والجمهورية العربية السورية، وقد شارك في المملكة المغربية بالمسيرة الخضراء، وهي مسيرة من أجل السلام في الصحراء المغربية، وقد تعرضت المسيرة إلى قصف من قبل الإسبان، من أجل وقفها، وقد تراجعت بعض الوفود، لكنه واصل تقدمه، وكان موقفه هذا موضع تقدير ملك المغرب، وبعد عودته شكره جلالة المغفور له الحسين بن طلال، على موقفه الشجاع، ونتيجة لذلك كرمه العاهل المغربي، بمنحه وسام المسيرة الخضراء، وهو من أرفع الأوسمة في المغرب.

أرتبط الشيخ الفواز بعلاقة جيدة مع المغفور له الحسين بن طلال، فقد قبل دعوته لزيارته في مضارب السردية، وقد أمضى جلالته يوماً بينهم مطلعاً على أحوالهم وقضاياهم. وفي الحادي والعشرين من شهر أيار عام 1995، قام جلالة المغفور الحسين بن طلال، بزيارة مفاجئة لمنزل الشيخ حمادة الفواز في قرية صبحا، حيث أمضى فترة من الوقت اطلع خلالها على أوضاع العشيرة، وحاجات المنطقة، وكان الشيخ الفواز على علاقة وطيدة مع أصحاب السمو الأمراء والأميرات، الذين زاروا المنطقة أكثر من مرة، خاصة صاحب السمو الأمير الحسن، وصاحبة السمو الأميرة بسمة. توفي الشيخ حمادة الفواز يوم الأحد، في الخامس عشر من شهر آب عام 1995، وشيع جثمانه رجال الدولة، والشيوخ والوجهاء وأبناء الوطن، وقد قام جلالة المغفور له الحسين بن طلال، بزيارة بيت العزاء، وقال جلالته مخاطباً أبناء عشائر السردية: لقد فقدت أخاً وصديقاً ورجل دولة. 

الشيخ هايل عودة السرور

|0 التعليقات
أرسل لنا صورة

يعد الشيخ هايل عوده السرور شخصية أردنية مرموقة وفريدة من الرعيل الأول جمعت ما بين الهم الوطني والعربي وبين الشأن السياسي والتعليمي قلما توفرت في غيره.

ولد المرحوم الشيخ هايل عام 1913 في منطقة الرويشد ، وكان المسؤول عن العائلة والده عودة السرور وكانوا في مرحلة البداوة ولم تستقر عشائرهم في ذلك الوقت ، وبرز شغفه بالتعلم وبالحياة العامة وفي المشاركة فيما يدور حوله من أحداث.

فتنبه لذلك والده المرحوم عودة السرور وأمن له مدرس في ذلك الوقت يسمى "خطيب" ليعلمه ويدرسه أصول القراءة والكتابة ويثقفه بالشؤون العامة ، وكان هذا الخطيب ينتقل مع البدو في حلهم وترحالهم وعندما تفتحت مداركه ومعارفه وتعلم أصول القراءة والكتابة بدأ بتثقيف نفسه فوصل لمرحلة من التعليم تتمثل في إجادته اللغة العربية بقواعدها وكذلك الفرنسية.

وفي مطلع شبابه بدأ بتولي مسؤوليات يساعده بها والده وكان يشجعه على ذلك وتولي في آخر حياة والده المرحوم عودة سرور مسؤولية قيادة عشائر المساعيد وقبائل أهل الجبل ، ثم لاحقاً دفع به إلى خوض الانتخابات النيابية ممثلاً لقبائل جبل العرب في ذلك الوقت ، حيث تقدم الشيخ هايل السرور للانتخابات في مجلس الشعب السوري وفاز في ذلك الوقت عدة مرات متتالية في المجلس ، إلى أن أصبح مراقباً للمجلس في تلك الفترة ، وشارك أيضاً في كافة الحركات الوطنية في ذلك الوقت.

وقد تحدث الشيخ برجس الحديد عن معرفته بالشيخ هايل سعد السرور قائلاً: سمعت عن الشيخ هايل السرور عندما كان عمري عشر سنوات منذ الطفولة كانوا أقاربي يتحدثون عن شجاعة هذا الرجل حيث كان يقاتل في فلسطين وكان على رأس مجموعة من شباب أهل الجبل وكان أخي هايل "المقصود هايل الحديد" رحمه الله على رأس مجموعة من أبناء البلقاء.

كون الصداقة التي كانت تربط بينهم التقى الاثنان وشكلوا وحدة واحدة وقاتلوا اليهود في معركة احتلال بلدة "بدو" غرب القدس حيث تقدمت المجموعة وسقط أخي أثناء القتال جريحاً وكانت جراحه بليغة فحمله من أرض المعركة الشيخ هايل السرور ومعه أقاربي وشباب من عشائر الدعجة وكان يقول أخي هايل: "أنا إصابتي بليغة شيخ هايل لا يوجد في أي فائدة" ولكن الشيخ هايل أصر أن يخليه من أرض المعركة رغم كثافة الرماية وكان ذلك من باب الوفاء والصداقة وذهب به إلى مستشفى رام الله ، ولكن أخي فارق الحياة قبل أن يصل المستشفى وكان أقاربي الذين كانوا مع أخي هايل يتحدثون عن هايل السرور ودماثة أخلاقه وشجاعته. وما التقيت الشيخ هايل السرور إلا بعد مرور خمسة عشر عاماً ، عندما كنت ضابطاً في سلاح الجو الملكي الأردني في قاعدة الحسين الجوية التي تقع بين المفرق وأم الجمال وكان ذلك اللقاء الأول بيننا وبقيت صديقاً له رغم اختلاف العمر بيننا إلى أن التقينا في مجلس الأعيان عام 1986 وكنت دائماً أجلس إلى جانبه وأسمع من حكمته وشعره وكان علم من أعلام الشعراء العرب حتى في سوريا ، والعراق والأردن والسعودية ، ما تذهب إلى مكان إلا وتسمع شعر الشيخ هايل السرور.

وأضاف الشيخ برجس الحديد قائلاً: بعد أن تقاعدت من سلاح الجو الملكي الأردني طبعاً لبست عباءة وذهبت في صلحة بين الزبن وبين الفواز والتقيت أخي رحمة الله عليه ولم يعرفني أبداً سلمت عليه وسأل عن حالي وعندما سأل عن أخي فقمت وسلمت عليه فضحك الجميع في الجاهة ، لا يمكن أن يعرف أحد هايل السرور وينساه شخصية راقية دمث الخلق ، سريع الخاطر ، سريع البديهة ، فارس ، وبقيت على اتصال معه حتى التقينا في مجلس الأعيان وكانت مواقفه دائماً وطنية وكان قومي حتى النخاع.

وتحدث الشيخ برجس الحديد عن القضاء العشائري عند هايل السرور قائلاً: أخذ القضاء العشائري وتدرب عليه عن والده عودة السرور ، وطبعاً بعد وفاة والده هو استلم القيادة وبدأ عندما احتلت تركيا الأردن تقريباً وكانت مسيطرة على الكرك والطفيلة والسلط وعمان وكانت تخضع للأنظمة والإدارة العثمانية ، أما الجزء الباقي المترامي الأطراف فكان يخضع للقضاء العشائري. ومعظمها مستمدة من الشريعة الإسلامية ، ولذلك جلس الحكماء من العشائر ووضعوا قانون لحماية الضيف وإنصاف الجميع وكان هايل السرور أحد قضاة العشائر البارزين وكان دائماً مع الحق لا تأخذه فيها لومة لائم.

وأضاف معالي المهندس سعد هايل السرور عن القضاء العشائري قائلاً: اتيح لي في حياتي الأولى أن أحضر المجالس التي كان يتناول فيها هايل السرور قضايا تتعلق في خصوم ما بين أفراد العشائر من مختلف أنحاء الممكلة فكان ينتدب لحل هذه القضايا وكان يميل إلى أن يحاول حل المشكلة بالتوافق ، وكان لا يلجأ إلى ما تقتضيه العادات العشائرية إلا إذا أعيته الحيلة في خلق التوافق ما بين الناس لأنه كان يقول لي أن التوافق يطيب خواطر الناس إذا لم يستطع فيفصل حسب العادات والأعراف المعروفة في ذلك الوقت ، وكان لا يحل قضية إلا ويسرد سوابق ليقنع الخاسر أو الرابح بأنهم ليسو الوحيدين وهذه دلالة الحكمة ولهذا يمتثلون للحكم دون أي مشاكل.

أما عن الدور الاجتماعي في حياة الراحل الشيخ هايل السرور ومساهمته في إصلاح ذات البين والعمل على توفير الخدمات العامة لمجتمع البداوة ، وأضاف معالي المهندس سعد هايل السرور قائلاً: كان هايل السرور متنبها لقضايا عديدة على رأسها قضايا الخدمات العامة للناس لكي يستقروا في الأرض فشجع أبناء تلك المناطق على الاستقرار بداية لأن المجتمع الذي كنا نسكن فيه كان مجتمع بادية حل وترحال فقد ساهم هايل السرور في استقرار وبناء تجمعات سكنية وقرى وتوفير الخدمات الأساسية اللازمة لهم ، لكن الذي كان يشغل باله هو موضوع التعليم حتى هذا انعكس علينا نحن أبنائه إذ لم يكن هنالك مدرسون وقد وفرهم لنا ، كانوا ينتقلون معنا ولم يهتم فقط بتعليم الأبناء الذكور فقد اهتم بتعليم البنات ، وهذا اهتمام بالمرأة ، وتعليمها وإعطائها حقوقها كاملة ، فقسم من شقيقاتي كان داعماً لهن أن يكملن دراستهن خارج الوطن. وقال معالي سعد هايل السرور : انه استمر عدة دورات في مجلس الشعب السوري لغاية م1957 ، وكان ذلك من جراء إيمانه بوحدة سوريا بقيادة هاشمية وقد اضطهد أيام الاستعمار ، وقد ذكر المغفور له جلالة الملك عبد الله المؤسس أنه عندما كان مطاردا من الإنجليز ومن الفرنسيين لدفاعه عن القضية العربية خبأه في بيته "العرين الهاشمي" أشهرا لكي لا يكون تحت سيطرة أي من الجهتين الاستعماريتين ، واتهم أيضاً من قبل أنصار المعسكر الشيوعي في ذلك الوقت بالتآمر بتحقيق هذه الوحدة فاعتقل وسجن وحكم عليه بالإعدام ولكنه بقي مؤمناً برسالته. 

وأضاف الشيخ برجس الحديد حول هذا الموضوع قائلاً: إن البدوي لا يؤمن بالحدود ، وهكذا كان هايل السرور يؤمن بسوريا الكبرى ويؤمن أن الأردن وسوريا ولبنان بلد واحدة ، لأنه قومي حتى العظم ، وقد كان الشيخ هايل يهتم بقضايا الأمة العربية وليس الأردنية فقط وكانت الأمة دائماً في عقله ووجدانه وكان يحمل هم كل الأمة وأراه مكتئباً إذا حصل شيء ما في أي بلد من البلدان العربية وقد كان الشيخ هايل السرور شاعراَ ، ومن شعره الذي كان يرسله لابنه سعد يقول فيها نصائح: البارحة عيني سرى النوم عنه واهول عين سارية مثل مسراه عين ترش دموعها رشف شنه أو دلو تسحب فطر العيس برشاه يا سعد على أبوك ما أواه جنه بالضيق ما ضيع خويه وخلاه وقد وصف الشيخ برجس الحديد الشيح هايل السرور قائلاً: من أذكى الرجال الذين قابلتهم بحياتي ومن أشجعهم وكان شاعراً وكان دمث الخلق سريع الخاطر سريع البديهة لا يمل صديقه ابداً وبالنهاية رحمه الله وعليه رحمة واسعة. وقال معالي المهندس سعد هايل السرور بوالده: استطيع إلا أن أقول ما أشعر به بداخلي وما أشعر به لا استطيع أن اعبّر عنه واسكنه الله مع الأبرار والقديسين.

هكذا كان أبو عبد الله جامعاً بين الوجاهة العشائرية والوطنية والقومية في آن واحد حيث شارك في النضال على أرض فلسطين ودافع عن هذه الأمة وكان سياسياً بارعاً عمل من أجل هذا الوطن ومن أجل أبناء هذا الوطن.

الشيخ سعود القاضي ... رجل الخير والإنسانية

|0 التعليقات
الشيخ سعود فارس القاضي


يعد الشيخ سعود القاضي "شيخ مشايخ بني خالد" أحد رجالات الأردن الذين عرفوا بإخلاصهم للوطن وللمواطن وللعرش الهاشمي ، سما بأعلى درجات الشهامة والرجولة والخلق الرفيع والسماحة فقد برز في تاريخ الأردن كأحد الرجالات الذين سجل لهم الشعب الأردني أعمق معاني الاحترام والتقدير مع أن تفاصيل حياتهم لا نجدها إلا بعد رحيلهم عنا ، إما في مذكراتهم ، حيث تنشر بعد قضاء الله بهم ، وإما في كتب أو في مقالات ودراسات صحفية يقوم بمهمة كتابتها وطنيون مهتمون بتدوين سير حياة رجالات الأردن المخلصين ليبقى ذكرهم محفوظاً في ذاكرة الوطن والأمة.

ولد الشيخ سعود القاضي عام 1911 في بلدة حوشا في محافظة المفرق ونظراً لطبيعة الظروف التي كانت سائدة في تلك الفترة كان مستوى التعلم مقتصراً على القراءة والكتابة في المرحلة الابتدائية لذا تعلم القراءة والكتابة وختم القرآن في كتاتيب البلدة.

ينحدر الشيخ سعود القاضي من قبيلة بني خالد وقد ذكر ذلك في دراسة مقدمة من معالي الأستاذ نايف القاضي قائلا فيها: ينتسب أبناء قبيلة بني خالد في المملكة الأردنية الهاشمية وفلسطين إلى القائد العربي الإسلامي المخزومي خالد بن الوليد رضي الله عنه وهم بهذا النسب سواء أكانوا من نسل خالد أو من نسل أبنائه وأحفاده وذريته أو من أبناء أو أحفاد أفراد جيشه أو كان إلى بني مخزوم من قريش يلتقون مع أبناء عمومتهم وأقاربهم من بني خالد المنتشرون في أراضي الجزيرة العربية وشرقها وجنوب العراق وشماله وسوريا ولبنان. وحتى وقت قريب كان أبناء عشيرة بني خالد في شمال الأردن يذبحون في كل ربيع أول الذكور من مواليد أغنامهم على عتبه مقام رمزي من الحجارة كأضحية عن روح جدَّهم خالد بن الوليد. كان بنو خالد في المملكة الأردنية الهاشمية وإلى مطلع الأربعينيات من القرن الماضي ينتقلون مع مواشيهم مثل غيرهم من العشائر الأردنية من البدو الرحل ، ويمكن حصر حركة تنقلهم في المنطقة الواقعة إلى الشرق من سهل إربد حول الرمثا وبين المفرق ودرعا. وفي الأعوام كثيرة المطر أو قليلة المطر على حد سواء كانت مواشيهم ومضاربهم تصل أواسط الجولان وشمال غور الأردن وتذهب شرقاً حتى مناطق الحماد ووادي سرحان. ومنذ مطلع القرن الماضي تحول بنو خالد من وضع البدو الرّحل إلى حياة الاستقرار وشرع شيوخهم من آل القاضي في شرق الأردن بالتحول في طبيعة مساكنهم من بيوت الشعر إلى بيوت من الحجر وحولها حفروا العديد من الآبار لجمع المياه في فصل الشتاء والكثير من المُغُرً لخزن حبوبهم وتبن مواشيهم وأصبحت "حوشا" الواقعة في الوسط بين الرمثا والمفرق وتتداخل أراضيها مع أراضي درعا السورية مقر إقامتهم الدائم وخاصة بعد أن أصبح المرحوم "سعود القاضي" شيخهم في أعقاب وفاة شقيقة الأكبر الشيخ "منصور" وقد تحدث الدكتور عبد العزيز الشريدة حول نسب عشائر بني خالد فقال: تنقسم قبيلة بني خالد في الأردن إلى عدة أفخاذ يأتي على رأسها ابن سويحة وهم من فخذ الحديان وعُرفوا بـ "القاضي" أو القضاة وهو لقب أخذوه عن جدهم "مُقبل" ثم "فارس" الذي يوجد قبره في قرية المدوَّر إحدى قرى بني حسن القريبة من المفرق بوصفهم من قضاة الدم المشهورين بين العشائر في ذلك الحين ، وحتى اليوم وتتوزع أفخاذ القبيلة الأخرى مثل "الجبور" و "النهود" و"الصبيحات" على قرى الحمراء بجوار حوشا والزعتري والخالدية (القحاطي سابقاً) بالإضافة إلى أفخاذ "نبيط وطرشان" والبوادي والرطوب والعزي في قرى جديدة أخرى مثل السويلمة والدندنية والمشيرفة والدرزية والأكيدر والناصرية ومنشية البوادي كما يتواجد الكثير من أبناء قبيلة بني خالد في مدن المملكة المختلفة مثل الزرقاء وإربد والمفرق والرويشد.

كان المرحوم - الشيخ سعود القاضي شيخ مشايخ بني خالد وذلك عام 1942 حيث أصر شقيقيه الكبيرين "كريم وقفطان" أن يتولى أخوهم الأصغر "سعود" زمام الأمور نظراً لما يتمتع به من ذكاء وفطنه وحسن تقدير الأمور فكان يستقبل من يقصده طالباً العون والمساعدة بأشكالها المختلفة. وقد حرص المرحوم سعود القاضي على أن يقنع أبناء عشيرة بني خالد إلى التحول إلى حياة الزراعة واستغلال الأراضي الزراعية بالإضافة إلى تربية الماشية وأضاف الدكتور عبد العزيز الشريدة قائلاً: ساهم الشيخ سعود القاضي إلى حد كبير على تشجيع أبناء العشيرة على التعليم ورغبَّهم في دخول أبنائهم إلى المدارس وتفرَّغ إلى خدمتهم والاتصال والتعاون مع إدارات الحكومة المختلفة من أجل تحسين أوضاعهم وإيصال خدمات الصحة والطرق والمدارس والماء والكهرباء إلى كل قرية من قراهم وقد ساهم الشيخ سعود في جعل قبيلة بني خالد إحدى أبرز القبائل الأردنية في شمال المملكة إلى جانب القبائل العريقة المتواجدة هناك مثل بني صخر والسرحان والعيسى والسردية بالإضافة إلى عشائر أهل الجبل مؤخراً واستطاع تحويل أبناء القبيلة بفضل التحاق الكثيرين منهم إلى الجيش العربي وإقبال العديد من أبنائهم على المدارس التي انتشرت في كل قرية من قراهم من وضع البدو الرّحل إلى واقع الحياة المدنية العصرية المستقرة بحكم كونه قاضياً عشائرياً بموجب إرادة ملكية سامية ، ثم جاء المرحوم الشيخ سعود القاضي عضواً في مجلس النواب الأردني في الفترة ما بين 17 ـ 10 ـ 1954 - 12/4/3691 نائباً عن بدو الشمال وبفضل دعم أبناء القبيلة للشيخ سعود جاء عضواً مرة أخرى في مجلس النواب الأردني في 20 ـ 4 ـ ,1967

وتمكن من خلال عمله في البرلمان من ممارسة دورة الوطني مع العديد من الشخصيات الوطنية المعروفة في تلك الفترة. وحل المرحوم الشيخ القاضي عضواً في مجلس الأعيان الأردني في 20 ـ 1 ـ 1979م.

جمع المرحوم الشيخ سعود القاضي في شخصية الفاضلة كل صفات الخير والمحبة فهو بحق رجل الخير والإنسانية والشهامة فذكره الطيب باقْ بين الناس وهم يذكرونه مترحمين عليه لأنه أحب جميع الناس وشاركهم ظروفهم ، فقد ذاع صيته في القضاء العشائري بالإضافة إلى كرمه وطيب نفسه فلم يرد أمرء قصده. عُرف بصفات الشجاعة والنخوة العربية الأصيلة وإكرام الضيف وإصلاح ذات البين فهو من سلالة شيوخ عشائر بني خالد الأصيلة ، الفارس المقدام جامع الكلمة راص الصفوف الزعيم العشائري الذي تغنى به شعراء البادية الأردنية نظراً لحرصه على إقامة علاقات طيبة مع أبناء العشائر وشعوره بمسؤولية الهم الوطني والقومي مسجلاً في ذاكرة الزمن أروع مواقف الحق والبطولة ليصبح صاحب حضور مشهود له في قضايا الصلح العشائري وإصلاح ذات البين.

وللشيخ سعود القاضي عدد كبير من الأبناء والبنات كان من أبرزهم ابنه الشيخ تركي الذي توفي شاباً وكان معروفاً بحكمته وذكائه ومساندته لوالده في أعمال القضاء بين العشائر وإدارة ورعاية مصالح أبناء قبيلة بني خالد كما برز من أبنائه الكبار المرحومين غصاب ونواف والدكتور المرحوم طراد والمرحوم الشيخ محمد شيخ مشايخ بني خالد ومعالي وزير الداخلية نايف القاضي وحفيده اللواء مازن تركي القاضي مدير الأمن العام حيث تقلدوا مناصب رفيعة في الدولة والجيش والأمن العام.

كان الشيخ سعود القاضي موضع الاحترام والتقدير أينما حل وأينما أرتحل يحمل هموم وطنه ويحكي عنها بكل كبرياء فهو المشبع بنسيم الأردن وأخلاقيات أهله وأبناء بلده وكان الأردن بين حناياه ، يتناول قضاياه بشفافية متناهية ، وبروح تمتزج فيها إشارات الحب واشراقاته وتلتقي ثوابت هذا الوطن ، بمكونات مستقبل أبنائه ، فالمرحوم الشيخ سعود القاضي من حقه علينا أن نكتبه للتاريخ ، لأنه بحق من الرجال الذين يفتخر التاريخ بسيرتهم. رحم الله الشيخ الجليل سعود القاضي شيخ مشايخ بني خالد واسكنه فسيح جناته.