‏إظهار الرسائل ذات التسميات ر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ر. إظهار كافة الرسائل

روكس بن زائد العزيزي .. شاهد العصر ورائد الحركة الثقافية

|0 التعليقات

وقف على مسرح القرن العشرين مزهواً بافتتاح الصفحة الأولى للأحداث الجسام، لكأن قدومه إلى الدنيا من بوابة مادبا ، عام 1903 كمولود جديد لعشائر العزيزات المسيحية، والضاربة في العروبة عميقاً حتى  الغساسنة الاقحاح، روكس هذا الشاهد الحي أبدا، منذ كان طفلاً يشهد تحول القبائل إلى تحضر سريع لا تتزن خطاه، وكادت تأخذه الأقدار إلى الكهنوتية لولا ضيق الفرص، فوالده المتدين بتعقل أخذه إلى الدير في القدس وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره علهم يقبلوا به فيصبح كاهناً، لكنهم اعتذروا بسبب صغر سنه في تلك الفترة، غير أن الفوضى عمت المنطقة مع بدايات الحرب العالمية الأولى وانبلاج فجر النهضة العربية وانطلاق الثورة العربية، فتشرب روكس كل معطيات الأحداث وغاصت بعيداً في أعماق هذا الفتى بعيد النظر، الذي عين عام 1918 معلماً للغة العربية والفرنسية في سن مبكرة في مدرسة دير اللاتين، لتتفتح بوابات مواهبه المتعددة كاشفة عن ثقافة ورهافة حس، ووعي سابق لسني عمره، حيث كتب المقالة ، وبدأ بالتأليف المسرحي من خلال مسرحية ( الملاك والشيطان) ليسجل بذلك ريادته في هذا المجال، وليحتضن مسرح مدرسة دير اللاتين في مادبا أول عرض مسرحي في شرق الأردن.

لم يكن العزيزي معلماً وأديباً وحسب، بل كان مناضلاً من طراز مميز، فلقد عالج تلك المرحلة المتهالكة بتأسيس جمعية سرية لمواجهة مساوئ ضعف وتخلف الحكم العثماني ، وطالب بعروبة الكهنة في المناطق العربية وذلك لتخفيف ومجابهة الأطماع الغربية في المنطقة من خلال الرعاية الدينية.

لكن السلط حاضرة البلقاء، حاضرة في قلب العزيزي كحضور مادبا ومدن الأردن وبواديه، ففي العام 1925 انتقل إلى السلط مدرساً ومؤسساً لفرقة مسرحية وفنية، ومستمراً بالكتابة لمجلة الإخاء القاهرية ، وليقدم روكس نموذجاً فريداً للموهبة التي لا تقف عند حد، فهو كاتب جامع لأجناس الأدب، ومؤرخ وناقد وفنان مسرحي ، وقد أخرج بعض نصوصه على الخشبة، مذكراً  بكبار الفلاسفة العرب ، فلقد أضاف إلى كل ذلك الدراسات التراثية والكتابات الصحفية بالإضافة إلى الدراما الإذاعية والتلفزيونية.

إنه ترحال المعلم حين يرى التعليم رسالة ومحبة ، فارتحل إلى عجلون مدرساً يكتب المناهج بخط يده للطلاب لعدم توفر الكتب، وأينما أقام أسّس حركة فنية وثقافية تبحث عن المواهب وتدفع بالبلد نحو الأمام، كان مؤسسة متعددة الاهتمامات ، فأدرك أن التعليم حرفته التي ستدوم طويلاً، فأحبها  ومنحها أجمل سني عمره، فمنحته نعمة الصبر وأجيالاً من المتعلمين رافعين مشاعل النور في المدن والأرياف. 

 لقد أحط الرحال في مدرسة تراسنطة بعمان ، يدرّس  ويتعلم أيضا من الأب انستاس الكرملي أحد أئمة اللغة العربية في العصر الحديث، الذي دفعه إلى تأليف كتابه الأول ( قاموس العادات واللهجات والأوابد الأردنية في أجزائه  الثلاثة) ليختار العزيزي بذلك أصعب الطرق وأكثرها وعورة، لكنه دأب صاحب الهمة العالية، ولينطلق بتأليف الكتب والكتابة الصحفية حتى أواخر أيامه.

القدس الوادعة على مقربة من النهر المقدس كانت محطته التالية، إذ عين مدرساً في كلية تراسانطة في القدس 1942-1948 م ، ليشهد على فترة الغليان والتحولات المتلاحقة ، فجاءت النكبة مقتطعة جزءاً من القدس ، وليراقب بألم شديد نهب مكتبته وفقدانه لكثير من مخطوطاته التي لم تنشر بعد،كاتما دمعة الحزن ومحتسبا ذلك للوطن والأيام القادمة ، لقد أمضى روكس في التعليم قرابة الستة وخمسين عاماً وبشكل متواصل، منجزاً عدد كبيراً من الكتب أهمها ( معلمة التراث الأردني) في خمسة أجزاء وحكايات من البادية، ونمر بن عدوان شاعر الحب والوفاء، والعديد من الكتب والأبحاث والقصص، بالإضافة لعضوية مؤسسات أدبية محلية وعربية كثيرة ، وقد ترأس رابطة الكتاب الأردنيين لفترة قصيرة.

لقد شكل الحزن الدفين ،والألم المتخفي في تلافيف نفس هذا البدوي العالم، باعثاً للكتابة وإصرار على العمل، فبعد ولادته بثلاثة أشهر توفيت والدته ، ليحمله والده إلى امرأة قيسية مسلمة مرضعة ومربية، ليبقى عندها ثلاثين شهراً ،ولتبقى بذلك علاقة الأم المرضع بولدها الذي لم تنجبه سنيناً قبل أن يتوفاها الله .

 في سنة  1923 م  تزوج العزيزي بهيلانه ابنة سليم باشا المرار، زواجا تقليديا حيث  وعاشا معاً سبعة وخمسين سنة، رحلت بعدها رفيقة عمره عام 1981 م ، مخلفة في قلبه حزناً متجدداً، وجرحاً نازفاً ضمده بالشعر والنثر في كتاب أسماه ( جمد الدمع).
أحب العزيزي جبران خليل جبران، وأنشأ مكتبة باسمه حتى نال جائزة جبران مع درعها عام 1989م،أما علاقته بميخائيل نعيمة فكانت خلافية نتيجة ما كتبه الأخير عن جـبران ، لكن الخلاف تلاشى بعد أن التقيا في عمان وتحاورا حول وجهـات نظرهـما وكان ذلك عام 1965 م .

لقد عانى العزيزي أواخر أيامه من الوحدة وقلة اهتمام المثقفين والأكاديميين بزيارته للإفادة منه و التحاور معه، وظل الحائز على وسام الحسين للعطاء والتميز ووسام التربية والتعليم، والحائز على جائزة الدراسة والبحوث مثابراً ومخلصاً لمنهجه وعلمه، ورحل صامتاً مطمئناً، فلقد انفق سنوات عمره المديد بالعمل والانجاز ، وانحاز للعلم وللحرف كأول سطر في الحضارة وأول عتبة نحو المستقبل، ها نحن نراك بيننا يا روكس دائم الحضور غزير العطاء كمطر كانون، فما نلت من تكريم محلي، وكذلك نيلك للوثيقة الذهبية، واعتماد جامعتي ياس في بريطانيا و يوتا في الولايات المتحدة لقاموسك ما هي إلا مؤشرات على إبداع  يحيى ابد الدهر ، وتدلل على رجل فذ عز نظيره ، فلن ترحل من بيننا ، إنك هاهنا مقيم في القلب والذاكرة و ما رحيلك عنا أواخر عام 2004 م سوى محطة ممتدة من ترحالك الذي بدأته فلم ينتهي أبدا.

معالي الدكتور رجائي المعشر

|0 التعليقات
د. رجائي المعشر

تعد مدينة السلط كغيرها من محافظات الأردن حاضنة لجيل من رجالات الأردن الذين ساهموا في بناء الأردن الحديث ، فتجدهم قد أعلوا البنيان وشيدوا الصروح فقامتهم تطال شرفة العز والسؤدد ، ليقوموا بالمهام الملقاة على عاتقهم خير قيام. فالأرض الأردنية ولاّدةً لرجالات عظام عرَّفوا العالم بأن الأمة العربية هي أمة عظيمة في رسالتها وثقافتها ومبادئها ، رجالات كانوا دوماً على العهد فأوفوا بعهد الولاء فبذلوا الغالي والنفيس ليزيدوا حبهم لوطنهم ، رووا لنا عشقهم للأردن بقصص من الانجاز والعطاء ، رجال حق لهذا الوطن أن يحضنهم في كل زمان ومكان. 

وعند الحديث عن شخصية الدكتور رجائي صالح المعشر فإننا نتحدث عن أحد الشخصيات الوطنية التي تمتاز بانتمائها الواسع إلى الثقافة القومية العربية وعطائه المميز في العمل الاقتصادي الأردني ، فهو علم من أعلام الأردن استطاع نقش اسمه بحروف من نور في تاريخنا المعاصر عبر مسيرته الحافلة بالعمل والبناء والشجاعة والكرامة والانتماء والتضحيات. إنه الرجل الزعيم ببساطة خصاله وسمو أفعاله فالقيادة والزعامة عندما تجتمعان في رجل فإنما تصنعان منه رجلاً كبيراً فيه من شمولية المناقب والصفات ، ما يحتل مساحة أوسع من أن تفيها حقها الأحاديث. فالحديث عن أبي صالح هو السهل الممتنع فمن السهل الحديث عن شخصيته النقية والقوية وعن نظافة مسلكه وخلقه وأصبح مشهوداً له بذلك. ولكنه كان الممتنع في الحديث عن نفسه أو الترويج لها أو السماح بالمس بكرامته أو كرامات الناس مهما اختلف معهم ، فهو أحد الرجالات الذين بنوا الأردن وشيدوه وعمروه وحرسوه بدمائهم وترفعهم وسموهم وتساميهم ، إنه الاقتصادي البارع ورجل الدولة. 

ونحن في بلد يوصف أهله بالطيبة وعنوانهم الكرامة في الرمز وهناك كرامة لهم في مواطن كثيرة تشكل ذاكرة لبطولاتهم يحتفون بما عندما يستذكرون عدالة معركتهم المصيرية وحبهم للذود عن قداسة ترابهم ، من هنا يبدأ الكلام عن الأردن ليمدنا بذات وطنية خصبة نذرت نفسها لتؤمن دوماً بهذه الروح العبقة الراسخة في وجدان الحق رسوخ جبال رم هناك في جنوب البلاد. 

وُلد الدكتور رجائي المعشر في مدينة عمان عام م1944 وتعد عائلة المعشر من أكبر وأعرق العائلات الأردنية وقد ساهم أفراد العائلة بتطوير الاقتصاد الأردني بجميع مجالاته كالتجارة والتعهدات والبنوك والصناعة والزراعة والفنادق والصحة والعقارات والتأمين. وآل المعشر هم فرع من الدبابنة ، نزحوا من سهول حوران وهم يلتقون بعشيرة الشحاتيت في جذورهم التي تعود بدورها إلى عشيرة الدبابنة كما تلتقي مع عشائر الدبابنة والحواتمه والسُكَّر ـ العساكرية والحنانيات ونفّاع واللقوات وفنّوس وأبو حوران والناعوري والشحاتيت. 

وعشيرة الدبابنة ينحدرون من آل الخازن مشايخ منطقة كسروان في لبنان الذين يعودون بجذورهم إلى غساسنة اليمن ويذكر أنهم قدموا من لبنان إلى الكرك ثم ارتحلوا إلى قرية دبًّين القريبة من جرش واستقروا فيها ثم ارتحل قسم منهم إلى السلط وقسم إلى الطيبة في فلسطين. وقد أخذ آل المعشر اسمهم من اللقب الذي أطلق على جدهم الذي كان في زمن الدولة العثمانية يشترك في تقدير ضريبة العشر فدرج الناس على القول جاء المعشر وذهب المعشر. وفي رواية أخرى أن اسم المعاشير أطلق عليهم لأن جدَّهم كان ضخم الجثة. 

ومن أبرز أفراد هذه العائلة المرحوم صالح المعشر والد معالي الدكتور رجائي المعشر الذي يعد أحد رجالات الرعيل الأول وله انجازات عظيمة في عالم الاقتصاد والتنمية. حيث يعد من أوائل الذين ادخلوا زراعة الحمضيات إلى مناطق الأغوار والعارضة وقد خاض الانتخابات النيابية التي جرت لأول مرة عام م1947 بعد استقلال المملكة عام م1946 وانتخب في مجلس النواب لعدة دورات ولكنه قدم استقالته في خامس مجلس نيابي إثر إعلان الأحكام العرفية فحل محله فرح أبو جابر. وقد كان من مؤسسي الحزب الوطني الاشتراكي الذي فاز عدد كبير من أعضائه بالانتخابات النيابية عام 1956 فدخل وزارة سليمان النابلسي وعُين وزيراً للصحة والشؤون الاجتماعية وفي هذه الوزارة تم التوقيع على اتفاقيات التضامن العربي مع كل من سوريا ومصر والسعودية وأطلقت الحريات العامة ، وانهيت المعاهدة الأردنية البريطانية بتاريخ 12 ـ 2 ـ م1957 ، ثم عُين وزيراً للشؤون الاجتماعية في الوزارة التي ألفها بهجت التلهوني عام م1970 ثم عاد إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في وزارة عبد المنعم الرفاعي وقد جرى تعيينه عضواً في مجلس الأعيان التاسع والعاشر. وقد تحدث المهندس سمير الحباشنة قائلاً: كانت مدينة السلط حاضنة لجيل من رجالات الأردن الأوائل الذين ساهموا في بناء الأردن الحديث ومن مدرسة السلط التي خّرجت النخب الأردنية من المفكرين ورجالات الدولة وأضاف الحباشنة قائلاً: إن مرحلتي الإحباط والأمل التي احتضنتا تجربة صالح المعشر ورفاقه الذين شكلوا معه كتلة في البرلمان وهم (سليمان النابلسي ، وعبد الحليم النمر ، وشفيق ارشيدات وكذلك الإحباط الأكبر من قيام دولة إسرائيل وإخفاق الجيوش العربية من تحريرها.. لقد عاش المعشر ذروة الإحساس القوي ونموه وتصاعده وعاش جيل المعشر مرارة هجرة الشعب الفلسطيني بعد اغتصاب فلسطين ، لقد ارتبط صالح المعشر بعلاقات طيبة مع الرموز السياسية التي كانت في تلك الفترة وآثر أن يتولى سليمان النابلسي رئاسة الحكومة بدلاً منه بإعتباره زعيم أكبر الأحزاب في البرلمان. عُرف بكرمه وحبه لفعل الخير فأحبه الناس ووثقوا به ، وعلى خطى والده سار الدكتور رجائي المعشر الذي تلقى دراسته الثانوية والجامعية في كلية ترسانه ـ عمان والجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة شمال الينوي وجامعة الينوي وحصل على شهادة البكالوريوس في الكيمياء والماجستير في إدارة الأعمال والدكتوراه في إدارة الأعمال تخصص تسويق عام (1971). بعد ذلك عَمًل مديراً لمركز متابعة المشاريع بالجمعية العلمية الملكية إلى أن استلم الدكتور رجائي المعشر حقيبة وزارة الاقتصاد الوطني في حكومة السيد زيد الرفاعي عام م1974 ، كما شارك في حكومة السيد زيد الرفاعي المشكلة عام م1976 وزيراً للصناعة والتجارة ، وشغل منصب وزير التموين والصناعة والتجارة في حكومة السيد زيد الرفاعي المشكلة عام 1985م. وقد جمع الدكتور رجائي المعشر بين شؤون السياسة وشؤون المال والاقتصاد من خلال قيادته للبنك الأهلي الأردني ورئيساً لمجلس إدارة الأردنية للاستثمار والنقل السياحي ورئيس مجلس إدارة الشركة العربية للتأمين. 

ومن الجدير بالذكر أن الدكتور رجائي العشر ساهم في تأسيس العديد من الشركات نذكر منها شركة المنظفات الكيماوية وشركة السلفوكيماويات وأسس عام (1981) الشركة الأهلية للاستثمارات العامة التي أصبحت الشركة الأهلية للاستثمارات المالية وتحولت إلى بنك الأعمال عام (1990) والذي اندمج بعد ذلك بدوره مع البنك الأهلي في مطلع عام (1997م) وقد حقق هذا البنك رؤيته في أن يصبح واحداً من أكبر المجموعات المصرفية الخدمية ، فهو مؤسسة مالية قيادية معترف بها في الشرق الأوسط بالإضافة لكونه لاعباً مصرفياً رئيسياً على المستوى العالمي وأخذ على عاتقه تحقيق العديد من الأهداف نذكر منها ضمان أعلى العوائد المتنامية وحياة مهنية مستقرة ومنتجة ومكافآت مجزية بالإضافة إلى مساهمة البنك الفاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

وقد تميزت إدارة الدكتور رجائي المعشر للبنك الأهلي بالحصافة وسعة الأفق وتعليمه المتفتح فمزج بين الحداثة والأصالة وعزّز روح الأسرة في البنك الأهلي بحيث غدت هذه الأسرة الكبيرة الأصيلة تتحصن بأدوات حديثة وتحتكم إلى المهارة في الانجاز وتستند إلى الأخلاق قي العمل. ويتمتع أبو صالح بالعديد من الصفات اللصيقة بشخصيته فهو على خلق رفيع وطيب المعشر يفتخر بمواقفه الوطنية ويدافع عنها ، فاعل للخير حيثما حل وارتحل ، فالأرض الأردنية تنجب العباقرة والمبدعين على الصعيد المحلي والعربي والدولي وهم من نحتاجهم دوماً لتتويج مسيرتنا المضيئة فهؤلاء قدوتنا وامتدادنا ، واليوم إذ ننهل من مدرسة مليكنا عبد الله الثاني فإننا نذكر أياديهم البيضاء وفاءً لمن بنى وأعطى لهذا البلد ، وهذه الأمة التي نعتز في الأردن بالانتماء لها قولاً وعملاً. 

لقد قدم الدكتور رجائي المعشر صفحة ناصعة في تاريخ الأردن فهو لم يبخل والوطن لم ولن ينساه فسجله في سجل أبطاله ومبدعيه ووطنية ، فأبو صالح يبقى رمزاً من رموز الانتماء للأردن تتعلم الأجيال منه كيف يكون الصدق في شرح المواقف فيبقى له الدور البارز والفاعل والمؤثر في تاريخ الأردن من خلال مشاركته في صنع الأحداث التي مر بها الوطن ، خلال تدرجه في العديد من المناصب التي تقلدها والتي يشغلها حالياً نائياً لرئيس الوزراء في حكومة سمير الرفاعي. 

وهكذا فإن الحديث عن الدكتور رجائي المعشر هو حديث عن شخصية وطنية مرموقة لها إنجازات عظيمة في عالم السياسة والإدارة الحديثة والتنمية في المجال الاقتصادي فهو رجل عالي الهمة متوقد العزيمة لا يعرف المستحيل ، مشغول دائماً برفع قدرة القطاع الخاص ، خصوصاً القطاع المصرفي وتوجيهه نحو التميز والتفوق ومواكبة آخر ما توصلت إليه تقنيات العلم في المؤسسات المالية. 

رفعت سعيد المصطفى الصليبي الفاعوري

|0 التعليقات
رفعت الصليبي
يعد الحديث عن شخصية المرحوم رفعت الصليبي حديثا عن واحد من أبرز رجالات الحركة الأدبية والشعرية في منطقة شرقي الأردن، فمنذ وقت مبكر برزت لديه نزعة الشعر والأدب وقادها في شبابه ورعاها حق الرعاية، فنهل من ينابيع الثقافة العربية وعزز مخزونه الثقافي بالقراءة والمطالعة الواسعة، وانكب على آثار كبار الأدباء وفحول الشعراء وراجع المعاجم اللغوية والموسوعات العربية مما كان له أثر كبير في شعره فنضم أنواع الشعر جميعها، فلانت له الأوزان وخضعت له الألفاظ ليمتاز شعره بالجزالة والمتانة والحلاوة مع المحافظة على الوزن والقافية.

ولد المرحوم رفعت سعيد المصطفى نصر الله الصليبي الفاعوري بمدينة السلط عام 1916م في عائلة كريمة ذات جاه ونفوذ وقد شكل عام 1916 حدثاً هاماً في ذاكرة العرب أجمع كونه العام الذي قامت به الثورة العربية الكبرى (ثورة العرب ضد الظلم والاضطهاد) والتي فجرها الشريف الحسين بن علي شيخ العرب أجمع، حيث ثار على الظلم وعلى ممارسات حزب الاتحاد والترقي فأطلق رصاصته الأولى معلناً بذلك قيام الثورة العربية الكبرى. ووالده المرحوم سعيد الصليبي يعد من أبرز رجالات مدينة السلط في مجالات السياسة والتجارة، بدأ نشاطه السياسي عام 1920 عندما قام بالمشاركة في المؤتمر السوري العربي ممثلاً عن منطقة البلقاء وكان من وجوه البلقاء والسلط التي حضرت إلى دمشق لحضور إجراءات الصلح بين عشائر الصخور وبني حسن وقد تحول هذا الاجتماع إلى اجتماع سياسي حيث أصدر المشاركون فيه بياناً سياسياً تضمن احتجاج أهالي البلقاء ورفضهم لمؤامرة تجزئة البلاد العربية والتعرض لاستقلالها.

انتمى رفعت الصليبي لعائلة معروفة وقد تحدث دولة السيد عبد الرؤوف الروابدة في كتابه معجم العشائر الأردنية عن عشيرة الفاعوري قائلاً: «هي واحدة من العائلات العريقة في مدينة السلط، جدهم هو أحمد الجغبيري الرفاعي الحسيني وهم والقطيشات من نفس الجد وقد هاجروا من الجزيرة العربية إلى الخليل ثم استقروا في السلط منذ أربعة قرون، أسس العشيرة في السلط محمد بن أحمد الجغبيري الذي أنجب فاعور وهيشان وعساف ويسكن الفواغير والقطيشات في السلط وعين الباشا وإربد ومأدبا وفروعهم القطيش ونصر الله ونوفل وحسين والصبح والمرعي والمفلح والخشمان والطاهات والليات والجنيدي وعبد المهدي». اعتنت عائلة المرحوم رفعت الصليبي بالعلم وهذا منحه الفرصة للقراءة في وقت مبكر والاعتناء بالثقافة وخير مثال على ذلك هو قيام والده المرحوم سعيد الصليبي وبالتعاون مع رجالات السلط ببناء مدرسة السلط الثانوية لتكون أول مدرسة ثانوية في شرق الأردن. التحق رفعت الصليبي شأنه شأن أبناء جيله بكُتَّاب الشيخ عبد الحليم زيد الكيلاني ثم التحق بمدرسة مختلطة في شارع الدير، لينتقل بعد ذلك إلى مدرسة ابتدائية مقرها بيت (الرهوان) بالجدعة الوسطى وتابع دراسته أيضاً في مدرسة التل (المدرسة الثانوية) وقد تخرج في مدرسة السلط وتلقى تعليمه على أيدي أساتذة جهابذه منهم حسن البرقاوي، محمد أديب العامرين لطفي عثمان، صبحي حجاب، سعيد البحرة وغيرهم. ويذكر محمد نزال العرموطي أن مدرسة السلط الثانوية لم تكن مدرسة تقليدية فقد كانت تعقد ندوات الوعي ومساجلات شعرية وحفلات سمر ومباريات أدبية وحوارات عالية المستوى بالإضافة إلى مادة المقرر المدرسي ويمتلك المعلم الثراء الثقافي بحكم تخصصه في جامعات خارج الوطن فهو مثقف شمولي وقائد تفكير، لذلك سادت ثقافة الحس الجماعي ومعالجة الهم الوطني العام، فمجتمع الطلبة جائع للمعرفة يتلقف المعلومة ويلتهم الجديد من الأفكار، كان الطلبة شباباً في وعي الرجال، وفي صباح اليوم المدرسي يبدأ المشروع الثقافي الأردني، فيتسلح الطلبة بثوابت الثورة العربية الكبرى ومبادئها في التحرر والاستقلال ويقفون بقامات مستقيمة مرفوعي الرؤوس ينشدون أناشيد الوحدة العربية.

عُرف رفعت صليبي ومنذ صغره بسعة أفقه فكان على الدوام شارداً في عالمه الخاص الذي رسم أطره واختاره لنفسه فكان والده يسميه بالملاك بكل ما يحمل هذا الاسم من معاني التقاء والصفاء والبراءة والحُسن.

انتقل رفع الصليبي إلى دمشق ليكمل دراسته الجامعية فدرس الحقوق في جامعتها وتخرج فيها سنة 1936م وعندما عاد إلى بلده قام بتأسيس منتدى أدبي في مدينة عمان وكان يترأس الندوات الأدبية عامةً والشعر خاصةً وهذه الندوات كانت تضم نخبة من أدباء البلاد أمثال: مصطفى وهبي التل وحسني فريز وعبد الحليم عباس وناصر الدين الأسد ومحمد سليم الرشدان وصبحي القطب وغيرهم الكثير.

قام المرحوم الصليبي وبالاشتراك مع شاعر الأردن عرار بتأسيس مكتب للمحاماة جمعهما معاً ثم صدرت إرادة الأمير عبد الله بن الحسين بتعيين الصليبي مساعداً للنائب العام وهذا مهَّد الطريق أمامه ليصبح قاضي صلح عمان ثم نقل ليصبح نائب رئيس محكمة إربد وكان نائباً لرئيسها بهجت التلهوني وقد ترقى ليصبح قاضي أراضي بالدرجة الخاصة، وقد قام خلال عمله هناك بتعديل وصياغة الكثير من القوانين والمواد المتعلقة بدائرة أراضي عمان. وخلال فترة عمله عُرف الصليبي بنزاهته المطلقة وترفعه عن صغائر الأمور، فهو صاحب هيبة ووقار، وحول دماثة أخلاق رفعت الصليبي تحدث الأستاذ خالد الساكت قائلاً: لعل الخط البارز في حياة الصليبي هو تلك الحساسية البارزة إزاء قضايا الكرامة فتراه في حياته اليومية هادئاً صامتاً قليل الاختلاط بالناس حتى إذا ما أحس أن هناك ما يمكن أن يمس كرامته من قريب أو بعيد يثور ثورة لاهبه في حين تراه يفيض عذوبة ورقة وتسامحاً مع كل موثوق وطيب وقد كان ذا خلقاً طيباً رفيعاً صلباً ومترفعاً، كان ذا هيبة ووقار فأنت في حضرته تحس أنك أمام زعيم على الرغم من دماثته وسماحته ورقته، والحياة بالنسبة إليه لم تكن ذات أهمية بل اعتبرها مرحلة يعيشها الفرد لوقت لقاء ربه وخير مثال على ذلك هو قيامه بالتنازل عن نصيبه الكبير في إرث والده لأخته عندما قررت العائلة حرمانها شأنها شأن كل العائلات في ذلك الوقت فقام الراحل الصليبي بإسراع إجراءاته القانونية والتي تفرضها عليه معاملة التنازل هذه.

نضّم رفعت الصليبي الشعر في وقت مبكر وقد عُرف شعره بوضوح الأسلوب وحسن التعبير وبرزت العاطفة الصادقة ونظمه للشعر كان يهدف من ورائه التعبير عما يجول في نفسه من خواطر وجدانية ووطنية، وقد تحدث الأستاذ هزاع البراري قائلاً: كانت علاقة الصليبي بالشعر متجذره منذ الشباب الباكر فهو لم ينقطع عن نظم الشعر في جميع مراحل عمره، وفي جامعة دمشق كان له حضور أدبي بارز وبرز كشاعر ومتحدث باسم الطلبة الأردنيين وذلك مكنه من التواصل مع عدد كبير من الشخصيات العربية والنضالية حيث كانت سوريا تواجه الاستعمار الفرنسي، وقد لعب المثقفون الأردنيون في دمشق دوراً بارزاً في الحركة النضالية التنويرية، ولجأت كثير من الشخصيات السورية إلى الأردن بهدف تأمين الحماية لهم والدعم المادي والمعنوي.

كان للأديب والسياسي والشاعر رفعت الصليبي العديد العديد من القصائد والمقالات قام الدكتور سحبان الخليفات بجمعها وإخراجها في ديوان يحمل اسم: (رفعت الصليبي: قصائد ومقالات) وقد أظهرت قصائده مدى حبه وتعلقه بطبيعة السلط الخلابة وتوحده معها فيقول:

مرابع فيها من شبابي بعضه وفي هيكلي من مائها ومن الثرى

وحول اهتمامات الصليبي بالشعر والأدب تحدث الدكتور هاني العمد قائلاً: يبدو أن اهتمامات رفعت الصليبي قد ظهرت في وقت مبكر فقد عكف على حفظ دواوين بعض الشعراء من أمثال: عمر بن أبي ربيعة وأبي نواس والبحتري والمتبني والمعري وشعراء الموشحات الأندلسية وغيرهم كما يبدو أنه نظم الشعر وهو على مقاعد الدراسة، وعرضه على أساتذته، فشجعوه وكان من زملائه في المدرسة: صبحي الحسن، وعبد الرحمن خليفة وبهجت التلهوني وميخائيل الصالح وضيف الله الحمود وغيرهم، ويمثل حبه للسلط أحب البلاد العربية مثل: لبنان ودمشق وفلسطين وسوريا فوصفها أجمل الأوصاف وحباها بأروع قصائده. كما اعتنى بالرثاء، فرثى مصطفى وهبي التل، وعبد الله النمر وإبراهيم طوقان والملك غازي، وقد جرب الصليبي أشكالاً مألوفة من القصيد مثل الغنائيات والأندلسيات إلى جانب اهتمامه بالأغراض التقليدية وإن حاول أن يعكس نفسه من خلال قصائده.

كان المرحوم رفعت الصليبي مولعاً بالصيد وكان هذا الولع سبباً في موته شاباً في منطقة غور الصافي، عندما أصيب بطلقة طائشة في 19/11/1952م فقتل على الفور وأحضر جثمانه إلى مدينة السلط وقد دفن في مقبرة الجادور وقد خرجت المدينة لتودعه وقدم أصدقاؤه ومعارفه من جميع أنحاء البلاد وكان الحزن عليه كبيراً وكان عمره عند وفاته بالكاد يصل للسادسة والثلاثين وقد مات بعد والده بسنة واحدة رحمها الله.

وقد تحدثت الأدبية سميحة خريس عن شخصية المرحوم رفعت الصليبي قائلة: لم يحظ رفعت الصليبي باهتمام كبير على مستوى الدارسين في الأردن عدا عن غيابه التام على الصعيد العربي، ما عدا قصيدة واحدة وضعت في المنهج الدراسي له، ثم دراسة قدمها الشاعر خالد الساكت بعد رحيل الصليبي لتكون مقدمة لديوانه الذي لم ير النور قبل عام 1978م حين أدرجت وزارة الثقافة الديوان على قائمة منشوراتها التي تناولت التراث الأردني وقد قدم للديوان في دراسة محققة د. سحبان خليفات مشيراً إلى مكانة الشاعر الاجتماعية وإلى رصيده من الإبداع والمناصب التي تقلدها، وباذلاً جهداً طيباً في البحث عن المؤثرات التي كشف عنها قصيدة، وجاء في ترجمة الدكتور عيسى الناعوري أن الصليبي كان شاعراً مطبوعاً هادئ الشعر لطيف العبارة، أما د. خليفات فيرى أن المنية اخترقته ولم تظهر كنوز الكلمة عنده بعد، وتحدث عن جزالة اللفظ عنده، وتأثره بأعلام الشعر العربي مثل عمر بن أبي ربيعة وأبو نواس والبحتري وأحمد شوقي ولعلنا نلمح هنا تعاطفاً مادحاً أكثر منه موقفاً نقدياً باحثاً.

لقد بقيت قصائد وأشعار ومقالات وخواطر رفعت الصليبي شاهداً على براعة أديب رحل في وقت مبكر من عمره وبرحيله فقد أضاعت الأجيال أدباً جماً ونتاجاً يؤطر الحركة الثقافة والأدبية في الأردن ولكن أعماله رغم قلتها ومحدوديتها إلى أنها تبقى في الذاكرة وسيرته حاضرة أمام العيان.